Home الاعجاز الخمر
الخمر

الخمر

272
0
 الخمر أم الفساد والكساد.

إذا كان الجليل جل جلاله، بدأ بالعبرة بالنسبة للبن، فإنه في الآية التي تخص السكر، جعل الوصف علميا محضا، لكي لا يلجأ الناس إلى الاستشهاد بالقرآن على ضرورة تناول الخمر، ولذلك رد سبحانه وتعالى الخمر إلى الإنسان، وجاء التعبير بالمخاطب وهو الإنسان. ولا نجد وصفا يخص المأكولات والمشروبات الحلال لم يسند إلى الله سبحانه وتعالى إلا الخمر فقد أسنده إلى الإنسان، حيث يقول الجليل سبحانه في سورة النحل: « وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. »(67)

 

وإذا نظرنا إلى الآية الكريمة، نجد أن السكر لا يأتي مباشرة كالأشربة الأخرى، وإنما يأتي بعد تحويل عصير العنب أو التمر، عبر التخمر الكحولي، إلى شراب مسكر بنسبة 12 – 14 درجة كحولية وهي 12 – 14 مل من الكحول الخالص في 100 مل من الخمر، وسنعود إلى المراحل التي يمر منها التخمر فيما بعد،ولذلك قال الله  » تتخذون « ، يعني أن الإنسان هو الذي يتخذ عبر التصنيع الذي يفضي إلى تخمر عصير التمر والعنب أو تحويله إلى شراب مسكر.  لقد بينا أن سورة النحل أو سورة النعم كما يسميها العلماء، يبين فيها الله سبحانه وتعالى الحقيقة العلمية ليعتبر أولوا العلم، وليبين أسباب الأشياء، ويكون الوصف العلمي متكاملا.

 

 ولا يترتب عن هذا الوصف نقض للشرع، لأن معرفة الطريقة التي يصنع بها الخمر لا يترتب عنها نقض تحريمه. وفي هذه الآية نرى أسمى أوجه الإعجاز العلمي، ويجب أن ننتبه إلى الكلمة القرآنية لكي نفهم المعنى العلمي.

 

 تصف الآية الكريمة الثمار التي يصنع منها الخمر، وهي العنب والتمر، وقد كان هذا معروفا ولا يزال كذلك إلى يومنا هذا. ووصف الخمر بالسكر لبيان علتها وضررها، وهو وصف علمي، وليس شرعي، وسنرى أن هذا الوصف العلمي، سيمهد لحضر الخمر علميا، قبل تحريمها شرعا. ولننتبه إلى ما يقول لنا الذي خلق كل شيء فأتقنه في هذه الآية: وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَلآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .(67) فالكلمة المفتاحة في الآية هي تتخذون، ويعني أن الله يعلم أن الخمر تأتي من عصير العنب والثمر، لكن الإنسان هو الذي يجعل هذه الثمار تتحول إلى خمر، ليتخذه سكرا، وهذا الفعل منسوب إلى الإنسان. لأنه في آية الحليب يقول سبحانه « نسقيكم« ، أي هو الذي أعطانا اللبن ويريدنا أن نشربه، ثم يقول في العسل «  شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس« ، ليجعلنا ننتفع بهذا الشراب، ولذلك أدخل عامل الشفاء، أما بالنسبة للخمر، فيقول « تتخذون » أي أنتم الذين تتخذون هذا السكر، أما الله فقد رزقنا بالثمار، لأكلها طرية أو لعصرها وشرب عصيرها، لكن اتخاذ السكر، هو من فعل بني البشر.

 

وليس الانتفاع بالثمار كاتخاذها سكرا، فهنا يأخذنا الموضوع إلى أمور معقدة وعميقة في علم التغذية. لأن الثمار، كما نعلم جيدا، تمثل مصدرا هائلا للفيتامينات والألياف الخشبية والسكريات والأملاح المعدنية، وكل هذه العناصر لها دور غذائي وكذلك وبعض المكونات الأخرى، التي لها دور استشفائي. وهكذا تكون هذه الثمار على مدار السنة، مختلفة الأنواع والتركيب. ولذا نجد البرتقال والثمر في فصل الخريف، لأنه فصل البرد والعمل معا، إذ يستعد الناس لخدمة الأرض وما إلى ذلك، وتكون هذه الثمار محملة بالطاقة ويليها الزيتون، لأن الزيت يعتبر كذلك من أعلى الأغذية طاقة، أما في فصل الصيف فنجد الفواكه الموسمية المنعشة وما أكثرها، من بطيخ أحمر وأخضر وتفاح ومشمش وبرقوق وصبار وما إلى ذلك من الثمار، ويقبل الناس عليها إقبالا شديدا للانتعاش بها.

 

أما إذا عصرت الثمار وتركت لتتخمر، فإن التركيب الكيماوي يتغير وينقص، فالسكريات التي تكون نافعة في العصير، تتحول إلى كحول، وهي مادة سامة كما نعلم جيدا في ميدان علوم التغذية، وإن كانت طاقتها مرتفعة وسهلة.

 

جاء موضوع الخمر في القرآن الكريم في أربع آيات، اثنتان منها جاء التعبير فيهما بالسكر، واثنتان جاء فيهما التعبير بالخمر كما سنتطرق إلى ذلك بالتفصيل، وهذه الآية هي أول ما نزل في شأن الخمر وجاء التعبير بالسكر.

 

وموضوع الخمر يأتي ضمن الأشربة الأربعة، التي صنفها الله في سورة النحل، وهي الماء والحليب والسكر والعسل. والحديث في هذه السورة يقتصر على الوصف العلمي ولا يخص الشرع، فأشار إلى الوصف بالعلة، أو الحالة الفايزيولوجية التي يحدثها الخمر. والحديث هنا عن الكحول بالتدقيق، لأن المادة المسؤولة عن السكر الموجودة في الخمر هي الكحول.

 

والوصف العلمي للطريقة أو الأسلوب، الذي يتم به إنتاج الخمر، يكون حسب العوامل الكيماوية والأحيائية والتكنولولجية، فكان الوصف مطابقا لأساليب الصناعة الغذائية أو صناعة الخمور

(Oenology)، وهي العوامل التي جاءت في الآية:

 

العامل الأول:

 

طبيعة المادة الخامة أو المادة الأولية (Raw Material)، وهذه المادة تقتصر حسب التعريفات الدولية على العنب، من حيث يكون الخمر، هو كل شراب منتوج من عصير العنب عن طريق التخمر، والذي يصل مستوى الكحول فيه إلى 12 أو 14 درجة كحولية.  لكن القرآن يعطي مادة خامة أخرى هي التمر، ويمتاز بالتدقيق، الذي يخص تعريف الخمر، فالتعريف الدولي وضعته الدول الغربية، وطبعا هذه الدول لا يوجد فيها نخل، وتعمل على تتمين موادها الأولية، وتقتصر عليها، ولا تتمن مواد أولية لا تنتجها، نظرا للإستراتيجية الغذائية والتجارية، وإذا رجعنا إلى العلوم، نجد أن الخمر يأتي كذلك من التمر، وليست هناك تمار أخرى تعطي هذه الدرجة من الكحول، لأن التفاح  يعطي 6 درجات والشعير يعطي 6 درجات  وتصنف هذه المشروبات مع الجعة. 

 

وسنرى فيما بعد مستوى السكريات بهذه الثمار، لنقف عند الإعجاز العلمي في الميدان الغذائي، خصوصا في ميدان الصناعات الحية أو Biotechnology . وهذه الثمار من عنب وثمور النخيل، توجد بها كل العناصر المؤدية إلى الخمر، لكن لا يمكن أن تعطي خمرا، إلا إذا تدخل الإنسان، ولذلك جاء التعبير في الآية ب  » تتخذون » وهو العامل الثاني الذي سنتطرق إليه.

 

العامل الثاني 

  

تحمل الثمار المذكورة عناصر التخمر ومنها الخمائر، ولما تعصر حبوب العنب أو تعجن حبوب التمر وترشح بالماء، ثم تملأ في أواني وتترك للتخمر، تأخذ الخمائر السكريات، فتحولها إلى كحول، ويجب أن يتم ذلك تحت شروط معينة لا يمكن أن تقع في هذه الثمار، إذ لم تعصر وتوضع في أواني لتتخمر .     

 

نعلم في ميدان صناعة الخمور، أن التخمرالكحولي يقع بسبب الخمائر Yeasts)) الموجودة طبيعيا على ثمار العنب وتمر النخيل، وكل الخمائر تنتج الكحول نظرا لطبيعة التخمر، أو الطريقة التي تستعملها لاستهلاك السكر في غياب الأوكسايجن، وتتبع الخمائر طريقة إتنر دودوروف Etner Dudoroff))، والقاضي باستقلاب سكر العنب أو الكليكوز إلى الأسيطالدهايد (Acetaldehyde)، ثم يؤكسد هذا الأخيرإلى الإتانول، أو الكحول الإتيلي، وكل الخمائر تنهج وتتبع هذا المسار (Pathway) ، على العكس من البكتيريا التي تتبع طريقة أو مسار الكليكوليز، التي تستقلب سكر العنب إلى حمض البوريفيك، والذي يؤكسد بدوره إلى حمض اللاكتيك، وهو المسار الذي تسلكه الباكتيريا اللبنية مثلا. وتمتاز الخمائر بخاصية تحويل سكر العنب إلى كحول، ولابد من وجود هذه الخمائر في الوسط، إذ بدونها لا يمكن أن يتخمر العصير.

 

 ونتكلم عن الخمائر لأن طريقة إنتاج الخمور تغيرت كما تغيرت كل التقنيات في ميدان صناعة الأغذية، وهو أمر كذلك ضيع الكثير فيما يخص جودة المنتوجات الغذائية، فالتخمر يقع تحت تأثير سلالات عدة من الخمائر وليست سلالة واحدة، وإنتاج الخمر يتم الآن عبر الزرع المراقب، وهو إضافة خميرة الساكرومايسسSaccharomyces  إلى العصير لتسريع التخمر. فيكون المنتوج في أقل وقت، لكن بجودة منخفضة، وكل التخمرات التي تتم حاليا عن طريق الزرع هي تخمرات تنهج السرعة وليست الجودة تماما كما هو الشأن بالنسبة للمواد اللبنية واللحمية وما إلى ذلك. وليس هناك أي تحول إلا تخمر سكر العنب ليعطي الكحول وتبقى المكونات الأخرى دون أي تغيير.

تتوزع طريقة استهلاك السكر حسب تركيزه في الوسط إلى مسارين. المسار الأول ويسمى مسار التخمر والثاني يسمى مسار النمو. ويطلق عليها كذلك تأثير باستور، ويسمى الأول بالمسار اللاهوائي والثاني بالمسار الهوائي. ونجد أن تركيز السكر في حالة التخمر، يجب أن يكون ثلاث أضعاف بالمقارنة مع التركيز الذي يتطلبه أسلوب النمو، وهناك كذلك عامل الهواء أو الأوكسايجن، وإلا فلا يمكن أن يتم إنتاج الكحول. 

فأما إذا كان تركيز السكر خفيفا والوسط مهوى، وعامل التهوية يعتبر ضروريا،  فهناك يقع النمو، من حيث تتكاثر الخلايا لتعطي الكتلة الحية Biomass))، وهو الأسلوب المتبع في إنتاج خميرة الخبز باستعمال المولايص.

 

وإما أن يكون التركيز مرتفعا، والوسط غير مهوى وهو الأسلوب الثابت، فعندئذ لا يمكن للخمائر أن تنمو، وإنما تبقى ثابتة، وتحول سكر العنب إلى كحول، وهو الأسلوب المستعمل في إنتاج الكحول والخمور. وتعد الخمائر من الجراثيم المحبة للوسط الحامضي، ويجب أن يكون الرقم الهايدروجيني ما بين 3 و 3.5 وهو الرقم الهايدروجيني الموجود طبيعيا في عصير العنب والتمر.

 

العامل الثالث: تركيز السكريات 

هناك مستويات لتركيز السكر بالوسط، لتوجيه الأسلوب، إما إلى إنتاج الخميرة أو إنتاج الكحول، ففي هذه الحالة الأخيرة يجب أن يكون التركيز، ما فوق 15-30 غرام من الكليكوز أو سكر العنب في اللتر من العصير، وهو المستوى الموجود في عصير العنب، وكذلك في عصير التمر، وعند هذا الحد فإن الخمائر تستقلب سكر العنب إلى كحول، لأن الخمر يصنع تبعا للأسلوب الثابت، أي بدون تهوية أو تحريك، وهي العمليات التكنولوجية التي تراقب أثناء الإنتاج، والمهندسون في الصناعات الغذائية يعلمون مدى أهمية هذه العوامل. يملأ العصير في خزانات عميقة ولا يهوى، ولا يغلق بإحكام لأن التخمر الكحولي يعطي غاز ثاني أوكسايد الكربون، ويعمل هذا الغاز، بالإضافة إلى الكحول وحموضة الوسط على إزالة الجراثيم الضارة من الوسط، وحيث يسوى هذا الشراب، أي عند بلوغ درجة يصبح مسكرا وهي 122 درجة كحولية يكون قد أخلي من الجراثيم الضارة.

 

العامل الرابع: التكنولوجيا

 

رأينا أن العنب والتمر يحملان عاملي التخمر، وهما السكريات والخمائر، لكن التخمر لا يمكن أن يأخذ مساره (Fermentation course) إلا إذا تم العامل التكنولوجي، والذي بموجبه يوجه التخمر بضبط  العوامل المتعلقة بالوسط. ونلخص تكنولوجيا صناعة الخمر في المراحل التالية.

 

المرحلة الأولى

تهيئ العصير ووضعه في أواني، وهي المرحلة التي يتم فيها، ضبط تركيز السكر والخمائر والرقم الهايدروجيني وتفادي كل تهوية، كما يجب عدم غلق الأواني التي يملأ فيها العصير، ولولا هذه المرحلة التي تعتبر حاسمة ما كان العنب ولا الثمر أن يتحول إلى خمر، ولذلك يشير العلي بضمير المخطاب  وهو الإنسان « تتخذون منه سكرا  » وهو العامل التكنولوجي.

 

لما يعصر العنب ترمى كل البقايا الصلبة، التي تفصل عن العصير السائل، وقد يرشح العصير ثم يملأ في أواني (براميل) عميقة، ويترك تحت الحرارة العادية. وعصير العنب يكون فيه تركيز السكر ما بين 15 و 60 % وهو التركيز الذي يفضي إلى التخمر، لأنه تركيز مرتفع، وهو نفس التركيز الذي يكون في التمر، إذ يعجن بالماء ثم يرشح لإزالة الألياف الخشبية، ويكون الرقم الهايدروجيني طبيعيا حوالي 3 و3.55 وهو المستوى الذي تحتاجه الخمائر، لتحول سكر العنب إلى كحول، والحرارة المثلى لنمو الخمائر هي 30 درجة، وتقترب الحرارة البيئية في جل البلدان الجافة من هذا المستوى، كما أن هناك بعض المناطق التي تكون فيها الحرارة مرتفعة وتصل إلى 40 درجة، وتنتقى بعض السلالات من الخمائر المحبة للحرارة، حيث يقع التخمر تحت 40 درجة، ويكون سريعا وبدرجة كحولية عالية، بينما يستغرق التخمر في البلدان الباردة وقتا طويلا، ولا يصل إلى درجة كحولية مرتفعة.    

 

المرحلة الثانية: مرحلة التخمر

لم يكن يعرف صناع أو منتجي الخمور إضافة خمائر إلى العصير، بل كان كل من العنب والتمر يحمل خمائر بمستويات مرتفعة، حيث يقع التخمر طبيعيا، يكفي عصر العنب وملأ الأواني، أما في الوقت الحاضر فتضاف خمائر من نوع Saccharomyces carlbengensis  لتسريع عملية التخمر التي تكلف المنتجين مصاريف باهضة، لأن التخمر إذ يستغرق وقتا طويلا يكون بتكلفة ضخمة، ولذلك يلجأ الصناع  إلى طريقة الزرع وهي إضافة خمائر إلى العصير. وهذا التدخل في التخمر ليس صائبا لأن التخمر الذي يتم بعدة سلالات طبيعية ليس هو التخمر الذي يتم بواسطة سلالة واحدة.

 

التخمر الكحولي

 

توضع الأواني في موضع مخصص لذلك، وكانت توضع قديما في قبو، حيث تفرغ  في أواني أخرى لإزالة ما يترسب من المواد العالقة، وهي العملية التي تجعل الخمر يصفى. وتقاس درجة الكحول بالتقنيات المخبرية الحديثة، أما قديما فكانت طريقة التذوق هي السائدة لمعرفة الخمر هل تمت تسويته أم لازال في طور التصفية والتخمر.

 

المرحلة الثالثة:

وهي المرحلة الأخيرة، إفراغ الأواني وبيع الخمور، أو تعبئتها في زجاجات أو قنينات. وقد أصبح يبستر قبل التعليب لتفادي انبعاث الغاز من الخمائر المتبقية فيه.

والخمر هو كل شراب مصنوع من عصير العنب بالتخمر الطبيعي الإحيائي، وتبلغ درجة الكحول فيه 12 درجة كحولية. ويقتصر هذا التعريف على العنب، لأن الدول الغربية، وهي الدول التي تضع القوانين الغذائية، لا يوجد فيها نخيل. والقرآن هو الكتاب الوحيد، الذي ينفرد في تعريف الخمر من العنب والتمر. وإذا فحصنا التركيب الكيماوي لعصير التمر، والعنب معا، نجد أن تركيز السكر بهما يتقارب كثيرا، ونجد كذلك أن الخمر المصنع من العنب والتمر يصل إلى 12 درجة على حد سواء، بينما يصل خمر الشعير أو الجعة إلى 6 درجات، وخمر التفاح إلى 5 – 6 درجات كذلك، ونتتبع المعنى القرآني، لنجد أن التعبير جاء بالسكر، وليس بالخمر في هذه الآية. فالخمر كلمة عامة، تطلق على كل ما يتخمر ويعطي شرابا فيه كحول، والتخمر يعني باللغة اللاتينية الغليان، وهو نفس المعنى الذي نجده في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ولا ندري كيف جاء هذا التفسير بالغليان في الجامع، وهو أمر غريب جدا، لأن الاشتقاق باللغة اللاتينية يعطي الأصل لكلمة Fermentation وهو Ferver بمعنى غلى، وسمي كذلك لأن الوسط لما يأخذ في التخمر يتحرك ويظهر وكأنه يغلي، ومن هنا أتت كلمة تخمر أو Fermentation، أما باللغة العربية فهو أمر لا يؤول إلى الاشتقاق، أما السكر فيعني الخمر الشديد الذي يعرف بالسكر، فلو جاء التعبير بالخمر في هذه الآية، لكان المنتوج أي خمر بدرجة كحولية دون الثانية عشرة، وهو ما قد يفقد للحقيقة العلمية القرآنية معناها، ولن يكون هناك إعجاز لأن الخمر مصطلح عام، يشمل كل شراب فيه كحول هنا تستوي كل الأشربة الكحولية الجعة والنبيذ والخمر، أما السكر فلم يصفه الله سبحانه وتعالى كيماويا بالحالة التي تسفر عن إنتاجه وهي التخمر، وإنما جاء التعبير بالحالة التي يؤدي إليها الخمر وهي السكر، أو بطريقة أدق جاء المعنى ليخص تركيز الكحول، وهو المركب الكيماوي المسبب للسكر، وهو تعبير علمي يفوق بكثير الكيمياء، من حيث يذهب إلى التفاعل داخل الجسم، أو تأثير الكحول على خلايا المخ، وهو الحادث الذي يبين الوجه العلمي للتعبير القرآني، فجمع الله سبحانه وتعالى، عدة كتب في هذه الآية بطريقة بسيطة.وهذه الكتب في صناعة الخمر من العنب والتمر ((Oeunology، وخصائص الكحول الفازيولوجية داخل الجسم.

 

وجاء في الآية اقتران الخمر بالرزق الحسن، وهو الوجه الاقتصادي الذي من أجله تستعمل الأساليب التكنولوجية كما يعلم أصحاب الميدان، ونرى أن هذا الوجه لا يخص صناعة الخمور. وإنما يشمل كل الصناعات الغذائية التي تستعمل التخمر، وقد تطرق العديد من العلماء إلى تفسير هذه الآية، لكن لا يمكن أن نفسرها بدون موضوعها الذي يخص الأساليب الغذائية، وكما أشرنا إلى ذلك، فالآية ليست بصدد الشرع، وإنما تتناول موضوعا علميا محضا، ليس من السهل التطرق إليه بدون اختصاص.

 

في كل الصناعات الغذائية نجد هذا الوجه الاقتصادي، الذي يبرر ويحفز استعمال الأساليب المتقدمة، ومن جملة هذه الأساليب التخمر إما الطبيعي أو المراقب. والتخمر يعتبر من التقنيات السهلة التي تمكن من تحويل مواد خامة بدون قيمة إلى مواد جديدة بقيمة كبيرة (Valorization). وبذلك يكون الرزق الحسن الذي جاء في الآية، لا يعني الرزق الطيب أو الحلال، كما قد يتصور بعض الناس وإنما الرزق الكثير فقط، ولا يمكن أن يفسر على غير هذا النحو، بدون هندسة الصناعات الغذائية، لأن الرزق الحسن في هذا الميدان، لا يعدو أن يكون أكثر من الربح الكثير، نظرا لتثمين المواد الخامة. فتحويل الحليب إلى جبن فيه ربح كثير، وتحويل اللحم إلى سجق جاف فيه ربح  كثير، وتحويل مولايص السكر إلى كحول أو خميرة فيه ربح كثير، ويمكن أن يستشعر المرء هذا التثمين (Valorization) للمواد الخامة عبر الأساليب الأحيائية التي تلجأ إلى التخمر. وهو ما يجعل هذه الصناعات تكون مربحة جدا.

 

وعلاوة على هذه الطروحات، فإن الخمر لا يصنع من العنب الطري ذو الجودة العالية، وإنما يصنع مما تبقى من العنب، الذي لا يصلح للاستهلاك، وهو تثمين أحسن (Valorization) أو رزق أحسن لأن هذه المادة بعدما كان الإنسان سيرميها، تتحول إلى مادة أخرى (خمر) بقيمة تفوق قيمة العنب أضعافا مضاعفة.

 

هكذا يقرن الله الخمر والميسر بالنفقة في آية واحدة، لأن هناك علاقة بينهما، وجاء الجانب المادي لكي لا يستشهد به بعض المضللين، فيقال لماذا لا نصنع الخمر ونبيعه، ثم نستعمل ثمنه لشراء أشياء أخرى، وهذه الطروحات أخذت تظهر إلى الوجود من قبل اللذين يجهلون تمام الجهل كلمة ‘إسلام’.

 

الإعجاز في الجانب النفسي لتحريم الخمر

 

لا شك أن الإدمان يعتبر من أخطر الأمراض النفسية، ولذلك سنرى أن الخمر سيقترن بالميسر ولو أن هذا الأخير ليست له آفات أو أمراض عضوية، والإصابة بالإدمان ترتبط بالعقل وهو مرض فقدان الشخصية والحزم  وضعف الشخصية لا يكون عضويا بل نفسيا ولذبك بدأ القرآن بالعلاج النفسي. فبعدما جاء وصف صناعة الخمور وصفا علميا محضا دون التطرق للشرع ولا إلى أي نصيحة أو إشارة، لأن الوصف العلمي يرتكز على الحقيقة المادية الملموسة. وبعدما بدأت الشخصية المسلمة تتقوى بدأ العلاج عبر علم النفس، وكانت الآية التي جاءت بخصوص طرح مشكل الإدمان، ما جاء في سورة البقرة لقوله تبارك وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَايُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

 

لاشك أن كل الفقهاء، يجمعون على أهمية نزول القرآن منجما، والإدراك لأهمية النزول على مراحل، لاينتظر التحليل السيكولوجي والاجتماعي اللاحق بمكانته. ونجد بعض المحاولات في كتب التفسير المعاصرة والتي ترفع من قيمة القرآن، لتجعله يفوق كل العلوم، وتسهل الفهم العلمي لما جاء في القرآن بشأن العلوم الكونية.

 

فالتحليل النفسي والاجتماعي للقرآن، سيكون إن شاء الله، الحل الأخير الشافي والمقنع للاضطرابات الفكرية، التي تهز العالم، وتهز المجتمعات المعاصرة على اختلاف ثقافتها وتراثها، وإنه لمن المخجل حقا،أن نجد بعض الباحثين، يعتمدون ويرتكزون على أفكار أفلاطون وأرسطو وسقراط وفيورباخ وهوبس وروسو وهيكل وماركس ولينين، ويتركون القرآن، ولا أعيب على الباحثين الغير المسلمين، أو الغير الملمين باللغة العربية، لكن ألوم الباحثين المسلمين على استشهادهم بمرجعيات خاطئة، لا ترتكز على الاستقراء الاجتماعي، ولا على الأعراف السائدة في المجتمعات القديمة. فإذا كان أرسطو اجتهد في مرحلة ما من التاريخ واجتهد قبله أفلاطون، فإن هذا يعتبر مبلغهم من العلم، وهو مبلغ نسبي ليس مطلق، أو مبلغ متغير ليس تابت، ويتطرق إلى التحليل حسب الظروف التي عاشت فيها المجتمعات آنذاك، أما القرآن فتناول أحداث سابقة، ولم يستعمل أسلوبا عنيفا، ولا نهجا ثوريا في بناء المجتمع. ويلاحظ ذلك في الطريقة والكيفية التي نزل بها، فكانت البداية بالعلم، أن نزلت أول آية تحض وتوجه إلى التعلم وهي قوله تعالى في سورة العلق: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَبِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)

 

وتوقف الوحي ليستعد الرسول صلى لله عليه وسلم، وليتبين أنه رسول الله إلى هذه الأمة، وكان التوقف ثلاث سنوات، وهي ليست بالقليلة، لينتظر صلى الله عليه وسلم الوحي بفارغ الصبر، ويدرك قيمة ما نزل عليه، ويأخذ البيداغوجية الربانية في الحفظ والتلقين والممارسة أو التطبيق مباشرة، ثم استمر الوحي بالقرآن المكي بهدوء وسلام، وبدون عنف، وبدون أن يهز المجتمع بالقوة، أو يقيم ثورة، وإنما أخذ في تلقين وترسيخ دروس تكوين الشخصية، والخصال الحميدة، ونبد الخصال الدنيئة، وصرف أنظار الناس إلى آيات الخلق، وإلى ما يمكنهم أن يعرفوا به أن لهذا العالم خالق، ويدربهم على مكارم الأخلاق، وتكوين الفرد والمجتمع، وضبط المعاملات ويصرفهم طواعية واقتناعا، عن فعل كل ما يفسد المجتمع والشخصية، فكان ينهى الناس عن تطفيف الكيل، ويوصيهم بالجار والوالدين وحسن المعاملة وما إلى ذلك، ويدخل في هذا السياق، تربية المجتمع على الطهارة النفسية والجسدية، ولما نضجت الشخصية وتكونت وتكاملت في غضون عشر سنوات، في المدرسة الإعدادية القرآنية خلال مرحلة القرآن المكي، وهي السنوات التي يستغرقها للتعليم الأولي لإعداد التلاميذ إلى المرحلة الجامعية، وهي خمس سنوات في الابتدائي و 6 سنوات في الإعدادي والثانوي كما هو متداول تقريبا في جل الدول، وهذه المدة تتقارب مع المدة التي استغرقها الوحي في المرحلة الأولى أو المرحلة الإعدادية للشخصية المسلمة، والتي بدئها بالقرآن المكي. وجاءت بعد ذلك المرحلة الجامعية القرآنية، وهي مرحلة التشريع والأحكام، والتي استغرقت ثلاثة عشرة سنة مع القرآن المدني. وتزامنت مع بداية التاريخ الهجري، أي مع هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو حدث عظيم لأنه ستولد معه الدولة الإسلامية، وهو انتقال في الزمان والمكان. ونعود بعد هذا التقديم لنبين الحكمة من تحريم أو منع الخمر على فترات.

 

بعدما كانت البشرية على جهل وظلم، يأكل القوي الضعيف، وتوؤد البنات، ويتفشى الفساد والانحلال، ويعظم التعصب، ويكثر الحقد والحسد، وتعبد الأوثان، وتحرم بعض الحيوانات، وتسبى النساء، ويؤكل الربا، ويقامر الناس، ويشرب الخمر، وكانت البشرية على هذا الحال من الضلال، ولنا أن نتصور مجتمعا بدون عقيدة، بعدما تلاشت اليهودية والمسيحية، فالمجتمع لم يكن مدمنا على الخمر والميسر، وإنما كان إدمانه على كل شيء، لأن ليس هناك ضابط روحي أو شرعي يحفظ الإنسان من ملذات الحياة ومتاهاتها، لكن يبقى الإدمان على الخمر من نوع خاص، لأن التخدير يتعلق بالعقل، وهذا يكون موضوع العلوم النفسية، إذا أمكن أن نسميها كذلك، وقد يفهم المرء، أو يتصور، أو يحس بمعنى الاستشفاء، أو علاج حالات الإدمان العادية، التي تصل إلى حالات إجرامية، بل إلى حد الآن، لا يؤخذ الإدمان كمرض، أو كحالة نفسية طبية، تستوجب العلاج، لكن الطب القرآني سيتعامل مع هذه الحالة العرضية، التي كانت متفشية في المجتمع، ببالغ الحكمة، وسيقضي عليها تلقائيا. وطبعا فإن بناء المجتمع القوي، الذي سيقود ويحكم البشرية، يجب أن ينبني على أسس صحيحة وقوية ومتينة، ولم يكن من الممكن أن يترك الإسلام الشوائب، ويمر إلى الحكم أو العلم والتقدم والحضارة، فلننظر كيف عالج القرآن هذه الحالة العرضية.

 

بدأ الوحي بالآية الأولى، يبين فيها الإثم والمنفعة، وجاء الخطاب بأسلوب سهل، وبإقرار شامل لما كان عليه الأمر، بتلميح بسيط دون أن يهز مشاعر الناس، وبين الإثم  دون أن يلغي النفع فقال سبحانه في سورة البقرة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَاوَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

هكذا يبدأ القرآن العلاج، وهكذا يبدأ الطب النفسي الرباني، ببيان الصلاح من الفساد، ويرجح الصلاح عن الفساد، حيث جاء بالإثم والنفع في موضوع الخمر، ثم ترك الناس على ما هم عليه، ولازال من الصحابة من يشرب الخمر بعد هذه الآية، لكن بدأ الإثم يعرف، وطبعا فإن الذي آمن بالقرآن سيؤمن بما يبينه ويتق فيه، أكثر مما يتق المريض في الطبيب، وهذه أول لفتة جعل الوحي الناس يلتفتون إلى إثم الخمر، ومر وقت لازال الناس يشكون مما كانوا عليه، ويأخذ هذا النهج التربوي والعلاج النفسي، أسمى أوجه الإعجاز في الميدان العلمي، من حيث أن الطرق العلاجية الحالية، تنهج نفس النهج، وهو العلاج المرحلي، ومعرفة الحالة والسبب والظروف، التي عاش فيها المريض، لكن الطبيب النفسي، يصعب عليه معرفة الأسباب، التي أدت إلى الإصابة، أما الطبيب العادي فيعرف السبب عبر التحاليل المخبرية للمرض العرضي أو العضوي . والله سبحانه وتعالى يعرف الأسباب، ويقدر العلاج، فيكون صائبا وسهلا. واقترن الميسر بالخمر، لأن الإدمان يكون بنفس الشكل. ورغم أن الجاهلية كانت حياة ضلال وجور، فلا يمكن أن تصل الشوائب الأخرى إلى حد الإدمان، الذي يكون عليه الخمر والميسر، ويسهل على المرء في عصرنا الحاضر، معرفة وإدراك مدى خطورة الإدمان على الخمر والقمار، وربما يكون الإدمان على الثاني أكثر من الإدمان على الأول. وربما يقترن الميسر بالخمر، لأن الميسر كان يمارس مع أو بعد شرب الخمر، وكانت الأمكنة التي يزاول فيها القمار، أمكنة خمر قبل كل شيء، وهو ما نشاهده في عصرنا الحاضر. ويكون الإثم بنفس الحدة كذلك والنفع بنفس الحدة، ويكون النفع بالنسبة للخمر أقل بكثير من النفع بالنسبة للميسر.

 

هكذا تبدأ أول حصة للعلاج النفسي، ببيان الإثم والنفع، وبيان الحد الذي يكون عليه الإثم، وهو المستهدف هنا بالعلاج لأنه خصلة غير حميدة وسلوك فاسد، من حيث يفوق النفع من الناحية العضوية أو الصحية ومن الناحية المادية كما سنتطرق لذلك.

 

ويستمر القرآن في العلاج، بعدما ترك الحرية للشخص، أن يختار بنفسه الطهارة وحسن السلوك ويترك الفساد والميوع، وكل هذا الإعداد لهذا الشخص يتم مرحليا لما سيأتي من الأحكام الواجبة، والتي لا يجوز الخروج عنها. وتأتي الآية الثانية في سورة النساء، لتستعرض المرحلة الثانية من العلاج النفسي للإدمان، وكل هذه المراحل بدأت بالجانب النفسي قبل الجانب العضوي أو الصحي. وتابع القرآن علاج الإدمان بالتدرج وبالهدوء دون نهج أسلوب الاستفزاز بل نهج أسلوب الترغيب والترهيب. وجاءت المرحلة الموالية لتشمل التضييق على المدمن ليقلع عن هذا العمل و نلاحظ رحمة الله عز وجل بالناس وكيف يتعامل مع الحالات المستعصية بالرفق والرحمة، ففي هذه المرحلة سيجعل المدمن يميل إلى ترك الخمر، وبعدما بين المنافع والضرر جاءت مرحلة تقليص وقت تناول الخمر وهو ما جاء في سورة النساء لقوله تعالى: »  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُون  42« َ

 

في هذه الآية يبدأ التضييق على هذا المدمن، لحمله على ترك ما ينصرف إليه، أو ما يدمن عليه، واقتصر هذا التضييق على الخمر، وترك الميسر، ليبدأ الشفاء تدريجيا وبلطف. وتناول الخمر بالحالة التي يفضي إليها شاربه، وهي السكر، وقرنه مع الصلاة التي لا يمكن التخلي عنها أو إبطالها، فبدأ شرب الخمر ينقص، لأن الصلوات الخمس، التي تستغرق طول النهار وجزءا من الليل تكون متقاربة، من حيث لا يمكن أن يسكر بينهما الشخص ثم يستفيق ليصلي الصلاة الموالية في حالة يقظة، ويقرأ القرآن بتركيز، ويؤدي الصلاة كما ينبغي وكما فرضت. ونجد أن هناك شيئا ما يجعل المرء يقبل هذا النهي بسهولة، وهو بيان العلة التي نهى الله سبحانه من أجلها دخول الشخص في الصلاة وهو سكران، فقال عز وجل »حتى تعلموا ما تقولون » وهي لفتة عظيمة من الناحية النفسية، والتي يعلمها الباحثون في الطب النفسي، وتعني تبرير الفعل لدى المريض، وتصويبه إلى الاتجاه الصحيح، وهو التحضير للشفاء، لأن الرغبة في الشفاء عند المرضى النفسيين تكون منعدمة، وهو ما يجعل العلاج يطول، على عكس المرضى العاديين أو المصابين بأمراض عضوية، والذين تكون لهم رغبة شديدة وملحة في العلاج. فالمريض النفسي يكون مدمرا ومنغلقا ويرفض العلاج.

 

 فالآية الأولى بينت الخصال الدنيئة للخمر والميسر، وبقيت على النفع لأن هذا الأخير هو الذي يجعل الشخص يقبل عليهما، لكن رجحت الإثم على النفع لتصغره ولتحط من أهميته الواهية أو الخاطئة لدى المدمن، لأن الذي آمن بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وآمن بالوحي، وأخذ يمتثل لأوامر الله، أصبح مهيئا لقبول ما ينزل من السماء، لكن الله سبحانه وتعالى، تعامل مع هذا الشخص برحمة وبسهولة وبيسر، فأخذ يعلمه كيف يقلع عن هذا السلوك دون أن يشعره بذلك، وبطريقة علمية، وهو بيان الحكمة من عدم الاقتراب من الصلاة في حالة السكر، والعلة هي أن المصلي لما يقف في الصلاة يجب أن يركز، ويكون في كامل قواه العقلية، ليقرأ القرآن قراءة صحيحة، فالقول الذي يقوله المصلي هو القرآن بفاتحته « حتى تعلموا ما تقولون » وهو تعبير عادي، يمكن أن يستعمل للكلام العادي، كأن نقول للإنسان، لما يقول قولا في غير محله، هل أنت سكران؟ وكان كذلك من الممكن أن يعبر الله بتعبير صريح أكثر، »حتى تعلموا ما تقولون » لكن استعمل القول، وهو أي كلام، ونعلم أن الكلام الذي يكون في الصلاة قرآنا، بالنسبة للإنسان العادي أما بالنسبة للسكران فربما يكون كلاما غير القرآن، وربما لا يقرأ الفاتحة، أو ربما يقول أي شيء، وهو ما يجعل الصلاة تبطل، والشخص الذي أسلم وعلم أن الإسلام ينبني على خمسة أركان منها الصلاة، لا يمكن أن يقبل أن يفرط في ركن من أركان الإسلام.

 

 ونعود إلى الآية السابقة من سورة البقرة لنبين وجه الإعجاز فيما يخص ترجيح الإثم على المنافع. يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَايُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

 

والوجه الإعجازي في الآية فيما يخص الجانب المادي أو العضوي، يتجلى في التعبير عن الإثم والمنافع، وإقرار القرآن بنفع الخمر وإثمه، وقد فسر السلف الصالح على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الإثم يجسد الأضرار، بينما المنافع تجسد الكسب، وهو تفسير لا يعكس حقيقة القرآن العلمية، ولا حقيقته الإلهية الإعجازية، لأن التعبير يتكلم عن شيئين غيرمتجانسين، وهما الضرر العضوي  والنفع المادي. وإذا كان الإثم معنويا فيجب أن تكون المنفعة معنوية، أما إذا كان الإثم ماديا فيجب أن تكون المنفعة مادية كذلك، وسنبين أن الإثم والمنفعة التي جاء بهما التعبير القرآني، متجانسين من حيث المعنى المادي أي الكسب والخسارة، ومن حيث المعنى العضوي أو الصحي أي الضرر والشفاء.

 

ومن حيث المعنى المادي، فهو يقابل الإثم مع النفع المادي، إلا أن الأول أكبر من الأخير. لماذا؟ لأن الكسب على مستوى الفرد يكون ضئيلا بالمقارنة  مع الخسارة، فالكسب واحد وهو ما يحصل عليه المرء عند بيع أو شرب الخمر، لكن الخسارة متعددة، فقد تصيب الشخص كالتكاليف الثقيلة التي يتطلبها علاج السرطان، أو التي يتطلبها شراء الخمر بالنسبة للمدمنين، وضياع المعدات كالسيارات التي تصطدم أثناء السياقة في حالة سكر. وقد تصيب الدولة لأن الأدوية مستوردة والسيارة مستوردة ونقصان ساعات العمل وما إلى ذلك. 

 

وقد يستورد الخمر بأثمان باهضة وبالعملة الصعبة. وهناك أشياء أخرى لا يمكن أن نقدرها ماديا، لما يتعلق الأمر بموت الأشخاص، إما بالسرطان أو بالحوادث. فحسب هذه المعطيات لا أحد يكذب الوحي، ولذلك قال سبحانه  » وإثمهما أكبر من نفعهما « .

 

أما من الناحية الاجتماعية فيصعب تقدير الإثم، بينما يبقى النفع محدودا، فربما تكون المنفعة في تشغيل اليد العاملة، ونعلم جيدا أن صناعة الخمور بكل أنواعها لا تستخدم اليد العاملة بكثرة، ولو يكون التشغيل بكثرة، فيظل أقل بكثير من الإثم الاجتماعي، الذي يترتب على تناول الخمر. وهنا يظهر التقدير جليا لما نتكلم عن حالات الطلاق بسبب الخمر وتشريد الأطفال والأسر، فالأمر سهل الفهم للغاية، ولما نتكلم عن الاغتصاب بسبب الخمر، والقتل بسبب الخمر والخيانة بسبب الخمر، وانعدام الأمن بسبب الخمر، والغياب عن العمل بسبب الخمر، والرسوب في الامتحان بسبب الخمر. فهذه الخمر لا تكون بالتعبير القرآني إلا كارثة، وهو ما يتجلى في قوله تعالى « وإثمهما أكبر من نفعهما « . فالمقارنة الربانية الإعجازية لم تكن مفهومة من ذي قبل أكثر مما أصبحت جلية الآن، بعدما رجع الناس إلى جاهليتهم. فالإثم أكبر بكثير من النفع على المستوى المادي، ومن الناحية الاجتماعية يكون أعظم. وإذا تتناول الحالات الواقعة الآن في المجتمع، ومنها حالة المدمنين وحتى غير المدمنين، وجل اللذين يتناولون الخمر ليسوا ميسورين، وربما يذهب الراتب الشهري كله في الخمر، ويبقى الأطفال بالجوع والعراء، وربما لا يؤدى الكراء، وقد تعالج هذه المعضلة بمعضلة أكبر، لما تقوم الزوجة بتسديد ثمن الكراء من راتبها إن كانت موظفة، وقد تصرف على أطفالها، بينما يذهب راتب الزوج في الخمر. وهل يمكن أن نتكلم عن المقارنة بين الإثم والمنفعة في هذه الحالة، وأشد من ذلك دخول الزوج ليلا في حالة سكر، والزوجة والأطفال نيام، فلكل من أراد أن ستصور المشهد فهو سهل التصور ثم فليناقـش !.

 

أما من الناحية العضوية، فهناك تجانس كذلك بين الإثم والنفع، ويبقى الإثم أكبر من النفع. ففيما يخص الإثم، نسوق بعض المعطيات بالأرقام، لنبين دلالة هذا الإثم وجسامته، ثم لنقارنه مع النفع الصحي للخمر.

 

جاء في دراسة أجريت بالولايات المتحدة (Harvard University) عن الأستاذ Elioriboli ، أن سرطان الثدي، يظهر عند النساء بتناول 12 غرام من الكحول في اليوم، وهو ما يعادل كأسا من الخمر في اليوم. وقد أجريت هذه الدراسة على 90.000 امرأة.

 

وقد لوحظ نفس التكاثر أثناء دراسة أجريت بإيطاليا، حيث تبين أن تناول 25 غرام في اليوم من الكحول، وهو ما يعادل كأسين من الخمر، يفضي إلى نفس النتيجة. وعلى إثر هذه النتائج العلمية، نضيف أن تناول الخمر، لا يكون بمعدل كأس في اليوم، وإنما أكثر بكثير من ذلك، لأن النساء على الخصوص، أصبحن يعانين من حياة العزلة والوحدة، وتزيد تعاستهن كلما خرجن من بيوتهن، وتعاطين لملذات الحياة. وقد نعلم أن تناول الخمر، ولو يكون بمستوى منخفض إلى درجة الكأس الواحد، فالضرر يبقى موجود، وبنفس الحدة. وهناك من يريد أن يضفي على تناول الخمر بعض التزيين، فيقول يمكن تناول الخمر بقدر بسيط فيكون كغذاء وليس كمسكر. وما هذه إلا طريقة للتضليل لأننا نتكلم عن الضرر الذي يسببه الحد المغذي، أما ضرر الحد المسكر فلا يحتاج إلى بيان. وهذه الأبحاث، إنما تخص المجتمع الغير المسلم، الذي لا شرع له، أما بالنسبة للمجتمع الإسلامي، فمنذ أن نزلت آية التحريم، لم يعد للخمر حديث، بل يجب أن لا يوجد في المجتمع الإسلامي. لأن صناعته محرمة، وبيعه محرم، وأكل ثمنه محرم، وحمله محرم.

 

ونسوق بعض الأمثلة حول الأضرار، التي يمكن أن تسببها الخمور. ففي فرنسا، وهو البلد الذي يتوفر على إحصائيات دقيقة في كل المجالات، سجل عدد الوفيات في سنة 1995 والذي وصل إلى 235133 حالة  بسبب الإصابة بالتهاب الكبد، والتسممات، والسرطان، مقارنة مع 737 حالة بأسباب مختلفة.

 

يجمع العلماء في ميدان الكيمياء الحيوية المتعلقة بفايزيولوجيا الجسم، أن المركبات الكحولية R – CH2- OH، تعتبر مواد سامة للجسم، وتؤثر على كل الأعضاء والوظائف، وبما أن العضو الحساس في الجسم، والذي يلعب دور الترشيح هو الكبد، فإن أول الأعراض تظهر على الكبد ومنها السرطان، وأكبر تأثير يكون على الخلايا الدماغية، ويتسبب تناول الخمر في عوز أو نقص بعض المغذيات كالفيتامينات، كما يساعد على ظهور وتسريع وتفشي أعراض أخرى بطريقة غير مباشرة، كاجتماعه مع التدخين، وعوز المغذيات الدقيقة، والعياء وسوء التغذية، والتلوث وتناول مواد سرطانية أخرى.

 

وأما فيما يخص النفع الصحي أو العضوي، فهناك تمة إشاعات حول الدور الذي يمكن أن يلعبه الخمر بالنسبة لأصحاب أمراض القلب والشرايين، وكذلك دوره في التخلص من الكوليسترول، فالحقيقة القرآنية أنها تقر بالنفع، لكن ليس مطلقا ولا يمكن أن يكون النفع أكثر من الإثم أو مساويا له على الأقل، فحالة سرطان الكبد، لا تقارن مع مساعدة الخمر على التخلص من الكوليسترول، وهذه الحقيقة العلمية التي أقرها القرآن، تتجلى في احتواء الخمر على مادة الريزفراترولResveratrol ، وهي المادة التي أثبتت الأبحاث العلمية أنها تخفض الكوليسترول في الدم، ومادة الريزفراترول لا تقتصر على الخمر، وليست من خصائص التخمر، بل توجد في قشور العنب، وأثناء الاعتصار، يمر قسط منها إلى العصير، حيث لا يتحول أثناء التخمر، ليبقى ويستقر أخيرا في الخمر.

 

وتوجد مادة الريزفرتراول في العنب، كمادة تقيه من التعفنات بفطر Botrytis cineria، الذي يخمج ويفسد العنب، لكن وجود هذه المادة لا تقتصر على العنب، والمنفعة الموجودة في الخمر لا تقتصر عليه، بل توجد في عصير العنب والتفاح وثمار أخرى.  

 

وطبعا إذا كان القرآن يعبر عن الحقيقة العلمية، فلا يعني أن هذه الحقيقة، تغير من مجرى الشرع، لأن تكامل القرآن ومعجزته يجعلانه يصف كل الأشياء التي توجد في هذه الدنيا، ولا يمكن أن نتصور قرآنا لا يصف إلا الجانب الشرعي، أو الأشياء التي كانت موجودة حين نزل. ومنفعة الخمر قد تكون بكل بساطة المواد المغذية الموجودة في الخمر إلى جانب الكحول، وهنا يظهر الإعجاز العلمي فلو لم يأتي التعبير بالمنفعة، لكان المعنى أن كل محتويات ومركبات الخمر مضرة، وهو ليس صحيح لأن هناك مركب واحد مسكر وفيه ضرر وهو الكحول، أما السكريات والأملاح المعدنية والحمضيات العضوية والفيتامينات ومادة الريزفراترول والأنطوسيانات (مواد دابغة) وكذلك البوليفينولات، وهذه مواد نافعة ومغذية، لكن الكحول مادة سامة، والمواد الأخرى يمكن الحصول عليها في مواد غذائية أخرى، أو في عصير العنب نفسه بدون تخمر، وجاء التعبير عن الإثم بالمفرد، وقد يكون اسم جمع، وجاءت المنافع بصيغة الجمع، ورغم ذلك فقد رجح الله سبحانه الإثم عن المنافع، من حيث الضرر فقال « إثم كبير ومنافع للناس »، والخمر يحتوي على مادة سامة واحدة، وعلى مركبات كثيرة نافعة، لكن هذه المادة السامة تفوق المنافع.

 

فمادة الكحول تقتل الخلايا داخل الجسم، وتتسبب في ضعف الوظائف، أما المواد المغذية فموجودة في الأغذية الأخرى، ومادة الكحول تقتصر على الخمر وتعد من خصائصه الكيماوية، أما المواد الأخرى فلا تقتصر على الخمر، بل توجد في مواد غذائية أخرى . 

 

وأثبتت الدراسات العلمية، أن تناول الخمر يساعد على ظهور الكثير من الأعراض الخطيرة ويسرعها،خصوصا السرطان، وإذا كان السرطان من أبرز الأخطار التي يسببها تناول الخمر، فإن أعراضا أخرى لا تقل خطرا عن السرطان، كإضعاف جميع الوظائف داخل الجسم، ومنها القوة الجنسية، والتي تتجلى في فقدان الإرادة، ويأتي النسل ضعيفا ومتلاشيا. ولا تقتصر أخطار الخمر على الأعراض العضوية، وإنما هناك ما هو أخطر بكثير، لما نتطرق إلى الإدمان على الخمر، حيث يصبح الشخص خطرا على المجتمع، لأنه من شأنه أن يسرق أو يقتل أو يخون أو يفعل أي شيء، وهذا المرض لا تقدر خسارته، لأنه يتعلق بالمجتمع ولا علاج له، وهنا لا مجال للحساب الرياضي، لأن التقدير غير ممكن والخسارة معنوية ومادية. أما ما يتطلبه علاج السرطان فلا حرج إن تكلمنا عن الأموال الطائلة، التي تصرف على المصابين بدون جدوى، ونعلم أن الأدوية باهضة الثمن وغير متوفرة لأنها تستورد، وفي هذه الحالة يمكن للعمليات الرياضية أن تبين هل الخمر تدعم الاقتصاد أم تخربه.

 وقد أشار بعض الباحثين في ميدان التغذية بأمريكا وأوروبا، أن استهلاك الكحول والإفراط في استعماله، له علاقة مباشرة ببعض الأعراض الخطيرة. حيث يلاحظ أن الأشخاص الذين يتناولون الخمر يصبحوا مشلولين فكريا لما يتقدم سنهم.

 

ولنعطي فكرة واضحة عن الدمار الذي تتسبب فيه الخمور، وبعيدا عن تكاليف الأدوية وضياع الأخلاق، وضعف الأمة وذهاب قوتها، لأن القوة في العقل، فإذا ذهب العقل ذهبت قوة الأمة. فهناك بعض الحوادث الخطيرة التي تقع بسبب الخمور، والتي تكلف الأمة خسارة جسيمة في الأرواح والمعدات، حيث نجد أن الضربة القاضية للأمة هي التي تأتي من الحوادث. وحوادث السير يذهب ضحيتها العديد من الأشخاص، وهذه الأرواح لا تقدر بمال، وهنا يعجز الحساب الرياضي عن التقدير ومعالجة المسألة، لأن المعادلة ليست متجانسة. ونطرحها على الذين يقتنعون بمدخول صناعات الخمور هل تعادل الأرواح. أما الضياع المادي،فلا مجال لتقديره، لما تصطدم السيارة الفخمة المستوردة بأشجار الطريق أو بسيارة أخرى أو بشخص. فالمعادلة سهلة المعالجة، ويمكن لأصحاب الميدان أن يجدوا الحل، لأن في طرف المعادلة الأول، سنجد ثمن الخمر، الذي لا يتعدى دراهم معدودات، وفي طرف المعادلة الثاني، سنجد ثمن السيارة الفخمة المستوردة، والذي قد يتعدى الراتب الشهري لعدد من الموظفين. وإذا وجد الحل المادي، نضيف إليه الأرواح التي ذهبت مع السيارة.

  

فبالنسبة للمسلمين، لم يبقى شيء في الحياة إلا عرفه الله سبحانه وتعالى في القرآن، لكي لا نضل ولا نزل، ولا نبتعد من الطريق السوي، وليعيش الإنسان عيشة طيبة. فبيت المسلم لا يوجد فيه شيء نجس، أو رائحة كريهة، وهو أقل ما يبين هذه الحياة الطاهرة النقية. ونحن نسلم أن الله سبحانه وتعالى لما يقول أن الخمر رجس، فلا يمكن أن تكون إلا مضرة ومهلكة، ولا نحتاج إلى علوم في هذا الصدد. بما أن الله سبحانه وتعالى حرمها فلعلة الضرر والهلاك والخروج عن شرع الله. وبما أن السنن الكونية لا تخالف السنن الشرعية، فإن العلوم الحديثة أظهرت صدق الرسالة، ونرى أن كل العلماء يتجهون إلى تحريم الخمر وكل المخدرات، لما تسببه من ضرر للجسم وللمجتمع.

                

والإدمان من عمل الشيطان، لأنه يصبح قويا من حيث يصعب التغلب عليه تلقائيا، وهذا الإدمان يتعارض مع العبادة التي يجب أن تكون بعقل سليم وبتركيز.

 

لم نصل بعد إلى الأمر القطعي بتحريم الخمر، وإنما استعرضنا فقط كيف تمكن الإسلام من دفع هذه الشائبة الاجتماعية والكارثة الإنسانية التي تهلك الفرد والمجتمع، في كل جوانبه المادية والصحية والأخلاقية، وإلى هذا الحد ومع التطرق إلى الآيات الثلاث، التي بينا من خلالها كيف بدأ القرآن في المرحلة الأولى بالإشارة إلى الإثم والنفع، وترجيح الإثم عن النفع، ثم التضييق شيئا فشيئا فالنهي عن الاقتراب من الصلاة في حالة السكر، وأشار القرآن كذلك إلى صناعة الخمور التي هي من فعل الإنسان كذلك، ويراد من ورائها الكسب، فهذه التربية والعلاج النفسي للمجتمع لم يكن منحصرا في الإدمان على الخمر فحسب، وإنما كان يهم كل الشوائب وكل التصرفات والسلوكات القبيحة خصوصا الاجتماعية منها. ولا يمكن أن يكون الإدمان على الخمر والميسر أكبر من الإدمان على الإثم والبغي والفسق والظلم وعبادة الأوثان والزنى وما إلى ذلك. ولذلك كان الجانب التربوي والنفسي ظاهرا على التحريم والحدود، ولم يأتي التحريم إلا بعدما شفي المجتمع من الإدمان، وأصبح قويا سليما صحيحا، ولم يجد المسلمون صعوبة في ترك الخمر نهائيا، بعدما نزلت آية التحريم في سورة المائدة لقوله عز وجل:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُوَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)

 

وهي الآية التي منعت وحرمت الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وكل هذه التصرفات والسلوكات الأربعة تشترك في الإدمان، بل تشكل مرضا نفسيا أكثر ما تشكل مرضا عضويا أو ضياعا ماليا، وجاء التعبير عن التحريم بالاجتناب، ولم يأتي بصيغة التحريم لفظا كما جاء بشأن اللحوم. والتعبير القرآني « فاجتنبوه » يعني الجانب المادي والجانب العضوي والمعنوي، فالتحريم يشمل التناول والتصنيع والبيع والنقل وكل ما يدور حول الخمر. ونجد تفسيرا أكثر لهذه الأشياء في الحديث الشريف في كتاب البيوع  لسنن الترمذي  1216: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِي لَهَا وَالْمُشْتَرَاةُ لَه.

 

لما نزلت هذه الآية، كانت حالة الشخصية المسلمة في مستوى جيد من التكوين، وبدأت علامات القوة تظهر على المجتمع الإسلامي. القوة المعنوية التي أوصلت المسلم إلى الخروج إلى الجهاد، وترك كل الشرائع والولايات الجاهلية، وهو العلاج النفسي للشخصية المسلمة، لكن الإدمان لا يزال عند البعض، وسيتحسن حال المدمنين على الخمر، حيث لم يعد الخمر يشرب  إلا بعد صلاة العشاء، ولم يعد يستغرق شربه طول الليل حرصا على صلاة الفجر، وأصبح من السهل انقطاع الناس عن شرب الخمر كليا ونهائيا. وساعد على هذا الانقطاع العامل النفسي الجماعي، لأن الشخص لما يرى كل من حوله ينصرف عن تناول الخمر، فهو ينصرف بسهولة، لكن من الصعب أن يقلع الشخص بمفرده عن الخمر، وكل من حوله لا يزالون يشربونه. وقد وصل العلاج النفسي عند بعض الصحابة إلى حد التمني أن تحرم الخمر، وهو الطور النهائي في العلاج، وهو قبول المريض ما يفرضه عليه الطبيب، بل ربما ينصرف من تلقاء نفسه، فنزلت آخر آية وفيها الخمر والميسر ليتيقن الطبيب أن العلاج قد تم، ويترك المريض يفعل بنفسه، فنزلت آخر آية، وفيها الخمر والميسر يقترنان كما جاء  في الآية الأولى، حيث يقول عز وجل في سورة المائدة: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

 

وجاء الخطاب في هذه الآية موجها للمسلم المؤمن، الذي أصبح يلزمه الشرع بحكم إيمانه، وكان لابد من الشرع لأن قواعد الأخلاق ربما لا تكون ملزمة، أما الشرع فلا يمكن أن يخالفه المسلم، وبما أن الشرع سيبقى إلى الأبد فكان يجب أن يكون متكاملا، فلا يمكن أن يحرم شرب الخمر دون صناعته أو إنتاجه أو دون تسويقه أو دون حمله أو دون أكل ثمنه، ولا يمكن أن يحرم الخمر ويبقى الميسر أو الأنصاب والأزلام، فكل هذه السلوكات أو الشوائب مشتركة ومترابطة وتدعو الواحدة منها إلى الأخرى، فجاء ذكر الخمر والميسر في الآيات السابقة التي تخص الأخلاق والسلوكات لتهيأ الشخص المسلم، ثم جاء في هذه الآية الخمر والميسر والأنصاب والأزلام لعلتها النفسية المشتركة.

 

وبما أن الله سبحانه وتعالى يريد علاج هذا المرض وهو الإدمان على الأشياء، فإنه استأصل كذلك هذا المرض، وجاء الاستئصال بتجاوز تحريم الشرب بالنسبة للخمر، أو المزاولة بالنسبة للميسر والأنصاب والأزلام، إلى تحريم كل ما من شأنه أن يلتبس بهذه الأشياء، فكان التحريم شاملا بخطاب الاجتناب، ولغة الاجتناب أوسع من لغة التحريم، لأنه لو جاء الخطاب لفظي بالتحريم، لكان الشرب أو الممارسة فقط حرام، أما صنع الخمر وبيعها، أو البقاء على الميسر والأنصاب والأزلام فيكون جائزا، لكن مجيء الخطاب بالاجتناب جعل صنع الخمر ونقلها وبيعها وعصرها وأكل ثمنها وحملها وما إلى ذلك حراما، كما أكملت السنة هذا التحريم، وبينته بنص الحديث.

 

وقد جاء في مقال للدكتور محمد علي البار في مجلة الإعجاز العلمي العدد السابع (1421)، تحت عنوان  الإعجاز العلمي في أحاديث منع التداوي بالخمر، وأشار الدكتور البار في هذا المقال إلى الكثير من التصرفات التي أدخلت باسم الطب، وهي لا أساس لها من الناحية العلمية، كما بين بعض الأضرار الناتجة عن تناول الخمر بزعم دورها في تنشيط بعض الأعضاء والوظائف، والحقيقة هي عكس ذلك، لأن الخمر تعمل على تحطيم وإضعاف الأعضاء والوظائف، ومن جملة هذه الأعضاء والوظائف فصل الدكتور البار الحالات التالية: الخمر والجنس، تأثير الخمر السريع والبطيء، المرأة والخمر، والخمر والجهاز البولي، الجهاز الهضمي، الجهاز الدموي والقلب، الجهاز التنفسي الغدد الصماء  والاستقلاب والغدد الجنسية وركز الدكتور علي البار على الإعجاز فيما يخص رجوع العلوم إلى الحقيقة وهي الحقيقة التي جاءت في الحديث الشريف، الذي رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: « إن الله لم يجعل شفائهم فيما حرم عليكم ». 

  

المراجع

القرآن الكريم

الجامع لأحكام القرآن للقرطبي

سنن الترمذي 

صحيح البخاري

Alcohol Epidemiologic Data System. Yi, H.; Williams, G.D.; and Dufour, M.C.  Surveillance Report #61:  Trends in Alcohol-Related Fatal Traffic Crashes, United States, 1977-2000.  Rockville, MD: National Institute on Alcohol Abuse and Alcoholism, Division of Biometry and Epidemiology (December 2002).

Bradamante S, Barenghi L, Piccinini F, Bertelli AA, De Jonge R, Beemster P, De Jong JW.

Resveratrol provides late-phase cardioprotection by means of a nitric oxide- and adenosine-mediatedmechanism. Eur J Pharmacol. 2003 Mar 28;465(1-2):115-23

Clement MV and others. Chemopreventive agent resveratrol, a natural product derived from grapes, triggers CD95 signaling-dependent apoptosis in human tumor cells. Blood 92:996-1002, 1998.

Cui J, Tosaki A, Bertelli AA, Bertelli A, Maulik N, Das DK. Cardioprotection with white wine.Drugs Exp Clin Res. 2002;28(1):1-10.

Frankel EN, Waterhouse AL, Kinsella JE. Inhibition of human LDL oxidation by resveratrol. Lancet 341:1103-1104, 1993.

Hemminki K, Zhang H, Czene K. Socioeconomic factors in cancer in Sweden. Int J Cancer. 2003 Jul 10;105(5):692-700.

Hung LM, Chen JK, Lee RS, Liang HC, Su MJ. Beneficial effects of astringinin, a resveratrol analogue, on the ischemia and reperfusion damage in rat heart.
Free Radic Biol Med. 2001 Apr 15;30(8):877-83

Jang M and others. Cancer chemopreventive activity of resveratrol, a natural product derived from grapes. Science 275:218-220, 1997.

Lieber CS. Alcohol and coronary heart disease. N Engl J Med. 2003 Apr 24;348(17):1719-22

Sakuji Shigematsu, Shuji Ishida, Masahide Hara, Naohiko Takahashi, Hironobu Yoshimatsu, Toshiie Sakata and Ronald J. Korthuis. Resveratrol, a red wine constituent polyphenol, prevents superoxide-dependent inflammatory responses induced by ischemia/reperfusion, platelet-activating factor, or oxidants, Free Radical Biology and Medicine, Volume 34, Issue 7, 1 April 2003, Pages 810-817.

The economic costs of alcohol and drug abuse in the united states,1992.  H. Harwood, D. Fountain, and G. Livermore.  Analysis by the Lewin Group. Rockville, MD:  DHHS, NIH, NIDA, OSPC, NIAAA, OPA. NIH Publication No. 98-4327, Printed September 1998.

الجدول رقم 1: إحصائيات تمثل نسبة حوادث السير الناتجة عن شرب الخمر وعدد الوفيات المترتب عن ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2000

نسبة الوفيات
حوادث السير الناتجة عن شرب الخمر
عدد الوفيات
حوادث السير
31.1
13,050
41,945
37,526

 

 

الجدول رقم 2 : نسبة* الوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية لسنة 1999بسبب مرض الالتهاب الكبدي الناتج عن شرب الخمر

الإناث
الذكور
مجموع الوفيات
السنة
6.3
14
9.9
1999

الجدول رقم 3 : النسبة* لكل 100.000 نسمة محسوبة يالطريقة المباشرة باستعمال توزيع الأعمار لمجموع سكان الولايات المتحدة كما تم احصاؤها في سنة 2000.

المخدرات
الخمر
المجموع
النفقات المادية
9,931
18,820
28,751
النفقات الطبية
14,575
31,327
45,902
التأثير على الإنتاجية
18,307
22,204
40,511
مجموع نفقات الأضرار الأخرى التي تصيب المجتمع 
97,659
148,021
245,680
المجموع   الكلي

ملحوظة: مجموع هذه المعطيات لا يعطي المجموع الكلي نظرا للإفراط

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *