Home أسرار الأغذية الخميرة التقليدية أو البلدية
الخميرة التقليدية أو البلدية

الخميرة التقليدية أو البلدية

0
1

الخميرة التقليدية

اعتادت النساء قديما، أن تترك قطعة من العجين لما تنتهي من عملية العجن، لتضيفها إلى العجين المقبل، وتسمى هذه القطعة من العجين، الخميرة التقليدية أو البلدية، وكان يسمى الخبز الذي يخمر بالخميرة الحامضة بالخبز الحامض، أو خبز الدار، لكي لا يختلط مع خبز السوق الذي يخمر بالخميرة الصناعية، وتسمى عملية الحصول على الخميرة البلدية بتربية الخميرة، أو إحياء الخميرة، وربما كانت النساء تقتنيها من الجارة أو أحد أفراد العائلة، لكن تربية الخميرة أو إحياء الخميرة الأولى التي تبدأ بها عملية التخمير، لتترك قطعة إلى العجين المقبل، كانت بسيطة، ويكفي أن يعجن دقيق القمح أو الشعير بقليل من لبن الخض الحامض الطبيعي، وليس الصناعي، لأن هذا الأخير ليس فيه خمائر، أو إذا تعذر اللبن، يمكن إضافة بعض الفواكه مثل الثمر أو التين المجفف أو الزبيب أو أي فاكهة أخرى جافة أو طرية، ويدلك العجين جيدا، ثم يترك لمدة أربعة وعشرين ساعة، حتى تظهر عليه رائحة الخل، ثم يستعمل للعجين وتترك قطعة كبيرة للعجين المقبل، وهذه القطعة التي تترك يجب خزنها في الدقيق فقط، ولا تخزن في البرودة، ويمكن إضافة دقيق الفول أو الحمص للعجين، لكي يتم التخمر بسرعة، ولكي يكون الخبز كذلك مغذيا وبمذاق جيد.

ونشير إلى أن هناك فرق كبير بين الخميرة الطبيعية الحامضة والخميرة الصناعية، وهذا الفرق يكون كذلك على مستوى الخبز، فالخبز الحامض له خصائص غذائية وصحية لا توجد في الخبز المخمر بالخميرة الصناعية. وقد بينا في الأبحاث التي أجريناها في التسعينيات، أن الخميرة التقليدية تحتوي على أنواع من الخمائرYeasts  وعلى أنواع كثيرة ومتعددة من البكتيريا اللبنية Lactic acidi bacteria، فالخمائر تقوم بإنتاج غاز ثاني أوكسايد الكربون الذي ينفخ الخبز، أما البكتيريا اللبنية فتنتج حمض اللبني الذي يعطي للخبز مذاقا حامضا، فيكون الخبز بنكهة قوية وبخصائص غذائية هامة.

فخميرة الخبز العادية Baker’s Yeast  (وهي من نوع Saccharomyces cerevisae) التي يستعملها العالم في تحضير الخبز، لها دور أساسي هو نفخ الخبز، ليكون شكله إسفنجيا رطبا، وهذا الشكل يأتي من الغاز الذي تنتجه الخميرة أثناء التخمر، والذي يبقى منحبسا داخل العجين، فيعطي شكلا اسفنجيا، وليس لها خصائص أخرى، فهي تحلل سكر الملتوز الموجود في الدقيق، لتنتج ثاني أوكسايد الكربون والكحول، ولا تقدر الخميرة على حل أي مركب في الدقيق، بل تنمو فقط لتعطي الغاز المسبب لنفخ الخبز.

أما الخميرة البلدية أو الحامضة، فتحتوي على أنواع من الخمائر، وليس نوع واحد، وتحتوي على أنواع من البكتيريا اللبنية التي تنتمي لثلاث مجموعات: هي نوع Lactobacillus  ونوع Leuconostoc  ونوع Pediococcus ، وهذه الأنواع من البكتيريا اللبنية هي التي تجعل من الخبز، المادة الغذائية الأساسية، التي تمثل أرقى ما يمكن أن يتناوله الإنسان، ومن خصائص هذه البكتيريا، أنها تنتج حمض اللبني الذي يطهر القولون، وتحلل حمض الفايتك Phytic acid الذي يشد الأملاح المعدنية والفايتمينات والأحماض الأمينية والأحماض الذهنية، ويوجد حمض الفايتك في النخالة، ويعتبر من الألياف الغذائية الواقية من السرطان. وتقوم البكتيريا اللبنية بتحليل هذا المركب، لتحرر الأملاح والفايتمينات والحمضيات الأمينية والأحماض الذهنية، ولا تقدر الخميرة الصناعية على حل حمض الفايتك، كما لا تقدر على تحرير الأملاح المعدنية، ولذلك ظهرت أعراض على مستوى الجهاز الهضمي لدى عموم الناس، فالنشويات كلها كانت تخمر بالخميرة التقليدية، والخبز كان له مذاق حامض، لكنه أصبح بدون مذاق، ويبدو أن البكتيريا الصديقة، أو البكتيريا النافعة، التي تحفظ القولون من التخمرات الغير مرغوب فيها، هي التي أصبحت منعدمة في الخبز، لتعم الأعراض على مستوى القولون، كمرض كروهن والقولون العصبي والتهابات أخرى، وكذلك سرطان القولون والمستقيم، وظهور غازات بالأمعاء سببه اختلال في فلورا القولون التي انقلبت من البكتيريا اللبنية إلى الخمائر، وهذه البكتيريا الصديقة هي التي تنشط خلايا القولون والأعضاء الأخرى.

من الأخطاء الفادحة التي وقع فيها الباحثون في القرن الماضي، تبني الخمائر Yeasts  في تخمر الخبز، دون البكتيريا اللبنية، بينما كان الخبز من قبل يخمر لوقت طويل بالخميرة التقليدية، ويكون دائما حامضا، لأن اتحاد الخمائر مع البكتيريا اللبنية، هو الذي كان يعطي للخبز قيمة الغذائية من جهة، ويحفظ القولون من جهة أخرى بتقوية الفلورا المسؤولة عن التوازن التبادلي، خصوصا امتصاص الأملاح المعدنية، مثل الحديد والكلسيوم والمغنيزيوم والزنك والمنغنوس، لأن المركبات المانعة لهذا الامتصاص تحلل بواسطة البكتيريا اللبنية. والغريب كذلك في كل الأبحاث التي أجريناها على الخميرة الحامضة التقليدية، أننا لم نعثر على النوع المستعمل في حاليا في تخمير الخبز وهو Sacchrimyces cerevisae بل وجدنا أنواعا أخرى مثل Candida inusitatus و Candida milleri  وCandida diastaticus ثم في المرتبة الثالثة نوع Sacchromyces cerevisiae، ونعلم جيدا مدى أهمية النوعين الذين ثم العثور عليهما في الخميرة التقليدية، وقد ثم إيداع معزولات ببنك أنواع الجراثيم. وهذه الأنواع تعتبر سرا من أسرار الخميرة التقليدية، وتعرف هذه الأنواع بإنتاج أنزيمات قوية.

وقد توصلنا إلى كل ما يتعلق بالخصائص الغذائية والإحيائية والكيماوية للخميرة التقليدية بالمغرب، ومن بينها خاصية تحليل حمض الفايتيك Phytic acid الموجود في النشا، وبينا كذلك أن البكتيريا اللبنية تقضي على البكتيريا الممرضة التي تسبب تخمرات غير مرغوبة في الأمعاء. وأجرينا كذلك أبحاثا على أهمية الخميرة التقليدية في إزالة بعض المركبات السامة من الدقيق، مثل المايكوتوكسينات Mycotoxins التي قد تأتي من نمو الفطريات أثناء تخزين الحبوب، ونحن نعلم أن البكتيريا اللبنية هي التي تقوم بهذا التحلل وليست الخمائر، لأن الدراسة كانت فيها مقارنة بالتخمر المباشر بواسطة الخميرة الصناعية.

وهناك تجارب عديدة قمنا بها لنتتبع تحرير العناصر المعدنية خصوصا الحديد، لنتأكد من الامتصاص، من حيث يمكن استغلال هذه الخاصية لتفادي فقر الدم، أو عوز الحديد. وبينت النتائج المخبرية أن نسبة الحديد ارتفعت بشكل ملفت للنظر باستهلاك الخبز الحامض المخمر بالخميرة الحامضة.

والخبز هو المادة الغذائية التي تمثل رمز الحياة، لكن إذا فقد الخبز أهميته الغذائية فلن تكون هناك حلول مجدية على مستوى تراجع امتصاص الحديد والكلسيوم، ولن تحل مشكل توازن فلورا القولون ولا التصدي للأمراض التي ظهرت نتيجة لاختلال هذا التوازن. والخميرة التقليدية ضرورية لضمان امتصاص جيد، وبقاء القولون محفوظا من كل الالتهابات التي تسببها الجذور الحرة، وكذلك سهولة الهضم وامتصاص العناصر الغذائية القوية، ولذلك فاستعمال الخميرة التقليدية بالنسبة للأشخاص المصابين بأمراض المناعة والسرطان والسكري والسمنة وأمراض القلب والشرايين والأطفال وكذلك الخلل الهرموني لدى النساء.

 

 

 

Comment(1)

  1. السلام عليكم شكرا جزيلا على هذه المعلومات القيمة جعلها الله في ميزان حسناتك
    قلت في المقال وهذه القطعة التي تترك يجب خزنها في الدقيق فقط، ولا تخزن في البرودة،
    عندما نخزنها في الدقيق نجدها في اليوم الثاني تتشقق و يتغير لونها الا الجزء الداخلي للخميرة هل هذا اللون عادي أم لا و شكرا

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *