Home الاعجاز مقدمة
مقدمة

مقدمة

0
0

بسم الله الرحمان الرحيم

مهما نكتب عن القرآن، ومهما نتدبر ونتفكر في آياته وتعبيره وسياقه ولغته، لن نفي بمهمتنا في هذا الميدان الشاسع الوارف. إن من لا يتخيل ولا يحس بعظمة القرآن ليس له أن يقرأه. ومن لا يعرف حقيقة القرآن، ليس له من العلم بصيص. ولذلك فإن كل ما نقرأه حول الحقائق القرآنية، التي خضعت لها العلوم الكونية الحديثة، رغم تقدمها ورغم دقتها، ليس إلا حبة رمل في فلاة القرآن، هذا البحر الذي يشمل الكون بعلمه. وقبل أن نتطرق إلى موضوع  بعض أوجه الإعجاز العلمي في القرآن، يجب أن نقف أمام الباب، قبل الدخول، ونستأذن بحياء ثم نطرق الباب، بأدب ليس كأدب الزيارة العادية،وإنما أدب كأدب الخلق للخالق. ونطرق الطرقة الأولى وننتظر الجواب ونستمع للقرآن يجيب بقوله تعالى « لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون »َ (21).

 

إن أكبر ما يمكن أن يراه الإنسان، و يدركه ويدرك حجمه بالعين المجردة، هو الجبل الشامخ الذي يسد الأفق. فكيف بنا إذا رأينا أن هذا الجبل يتصدع ويخشع لعظمة القرآن، فهناك نبدأ نحس بقيمته وعظمته. هذا مثل يضربه الله سبحانه وتعالى للبشركقياس، ليعرف عظمة هذا القرآن، فالجبل الشامخ لما يراه الإنسان، يحس بحجمه وكبره،ولذلك يضرب الله المثل للناس بأشياء حسية، يدركها البشر، لأن القياس يجب أن يكون ملائما لقوة الإدراك البشري والفهم، وإلا فلا فهم ولا إدراك مع ما لا يمكن تصوره. إن القرآن مازال لم يحظ بالمكانة التي أرادها الله له، كما كان يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي أدرك هذه الحقيقية والمكانة والعظمة، فكاد يقتل نفسه، وهو يريد أن يعلم الناس هذه الحقيقة ويؤمنوا بالله وينعموا بهذا الإيمان، لكن نزلت الآية ترفق به وترحمه صلى الله عليه وسلم، حيث يقول الجليل جل جلاله في سورة الشعراء: «  لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)« . وتكرر القول كذلك رحمة من الله في سورة الكهف: «  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (66) ».

 

هكذا يجب أن نتعامل مع القرآن لأنه يمتاز بروح الربوبية، ويعكس عظمة صاحبه جل وعلا، ولذلك يجب الخشوع من القرآن، يجب أن يهتز المرء لما يسمع القرآن، وأن يتأدب مع القرآن، وأن يصغي للقرآن. ونطرق طرقة أخرى لنلح على القرآن، أننا نريد الدخول طائعين خاشعين. هذه الطرقة الثانية التي ستزيدنا من عظمة القرآن حيث سنسمع: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31).

 

هذا هو القرآن يتكلم عن نفسه بهذه اللغة، فهل من يفهم قدرة هذه اللغة، وحجم هذا التعبير، وعمق المعنى فيهما. فهل يحس أصحاب اللغة بالمعنى الذي يتناسب مع هذا القول، وهل يحس أصحاب العلوم بالمعنى الذي يتناسب مع هذا القياس، هل هناك من يسير الجبال، وهل سبق أن رأينا الجبال تسير، إنه ليس قياس بسيط، تقاس به الأشياء البشرية كاقتلاع شجرة، أو زحزحة صخرة، بل إنه سير الجبال. فكيف بالناس وهم يرون الجبال تسير، إنهم سيصعقون ولا محالة. ثم هل هناك من يقدر على قطع الأرض،هذا الكوكب الضخم الشاسع الذي نعيش عليه، وماذا يحدث لو رأينا الأرض تقطع، أكان الناس يشكون في هذه  القوة، وماذا لو كلم الموتى، فهل يمكن أن لا يصعق البشر، وهو يسمع الموتى تتكلم. فهذه الأمثلة كلها من قياس بشري رغم عظمتها، واستعملها الله سبحانه وتعالى لقرع أسماعنا، ولجعلنا ننتبه لعظمة القرآن، وليست هذه الأمثلة شيئا بالنسبة لخالق الكون، لكن بالنسبة للإنسان تظل آفاق لن يقدر عليها، وربما لم يقدر على تصورها.

 

ليس في القرآن تعبير نصي، أو تعبير لغوي شبيها بتعبير البشر، بل هناك لغة خاصة هي لغة لقرآن. لقد أنزله الله قرآنا عربيا، لكن لغته فريدة وخاصة به وبالذي أنزله. لأن الكلمات منسقة تنسيقا علميا إعجازيا، يليق بعظمة صاحبه سبحانه وتعالى، وكما للقرآن خصائص أدبية ولغوية، فإن له خصائص قرآنية. والذين يحاولون قياس القرآن على مناهج البشر، أو على شريعة البشر، أو على أحكام البشر، لا يدركون حقيقة القرآن.

 

ومرة أخرى يشدنا الشوق إلى معرفة أحكام القرآن ومعجزة القرآن، لأن الله أنعم علينا بمعجزة نسمعها ونعيشها كل يوم، إن الإنسان يحب مشاهدة المعجزات ولذلك سنرى هذه المعجزات من خلال بعض الآيات الكريمة، ولذلك سنزيد طرقة ثالثة بباب القرآن،وهي الطرقة الأخيرة، لنكتفي بهذه النفحات القرآنية، التي تعطينا تجسيدا لعظمته ومع هذه الطرقة الثالثة سنسمع: « قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)« 

 

هكذا يعبر الله عز وجل عن تعريف القرآن، وهو كما أسلفنا لغة قرآنية محكمة من لدن العليم الخبير. ولا يمكن أن ندخل بين طيات هذه الآيات، التي عرفنا عظمة القرآن من خلالها، لكن نقف عند هذه اللغة القرآنية، التي تعبر عن التاريخ وعن العلم والأدب والبلاغة وكل شيء، من خلال نسقها، فهذه هي الآية الوحيدة التي يذكر فيها الله الإنس قبل الجن، ويمكن الرجوع إلى آيات عديدة، لأن الخطاب موجه للإنس. واجتماع الإنس والجن ليأتوا بمثل هذا القرآن، يكون في الاتجاه الذي يجعل الإنس يستعينون بالجن وليس العكس، أما في الآيات التي تخص الخلق فالجن تأتي قبل الإنس، فلو كان الإنسان لا يقدر على أشياء تقدر عليها الجن فالله يعجز كل الخلق في القدرة على الإتيان بالقرآن، ليس من الناحية اللغوية وإنما من الناحية العلمية .

 

هذا هو القرآن الذي سنتناول بعض آياته، ونحن خاضعين لعظمة الله، ومتواضعين لتعبير الله، وسنحاول أن نقترب من المعنى العلمي لبعض آيات القرآن، كما أننا سنتعامل مع القرآن، على أنه كتاب محكم مطلق الحقيقة، لا رجعة في أحكامه، ولا جدال في قضائه، لأن الذي أنزله يقول سبحانه: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (37).

 

ليس هناك تفسير كامل ودقيق للقرآن الكريم، يتناسب مع عظمة الله الذي أنزله، وكل ما جاء في كتب التفسير، ليس إلا اجتهادات يجزى عنها أصحابها أحسن الجزاء، لكن الأخذ بها على أساس أنها التفسير القطعي فأمر صعب، ولذلك فإن كثيرا من الحقائق،تجلت أثناء نزول الوحي، ولا تزال الحقائق تتجلى إلى أن تقوم الساعة، والتفسير لا يبلغ مستواه الأعلى، إلا لما يقترن فيه التصور بالعقل. فربما تصور أصحاب اللغة أشياء، وربما تصور أصحاب العلوم أشياء، وأولوها على ضوء البحث العلمي، لكن الحقيقة، ربما تكون غير ذلك. ويجب أن يتقيد أصحاب الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، بالنتائج العلمية الرفيعة المستوى، والبلاغة في العربية، كما يجب أن يكونوا كذلك على مستوى من الفقه وأصوله.     

 

وإذا سلمنا بأن كل ما يتعلق بحياة البشر، والحكمة التي خلق من أجلها، أو الغاية التي خلق لها توجد ضمن الوحي، تيسر لنا الأخذ بما جاء في كتاب الله الذي أنزله بعلمه. وهذا ما يجعل المرء يستفيد وينعم بما أنزله الله لعباده، حتى لا يضل الطريق،وحتى يحيى حياة طيبة آمنة مطمئنة في سعادة بالغة. وفي القرآن تنظيمات ربانية،ارتضاها الله لعباده، وليست كالتنظيمات البشرية، ولو أن الأبحاث رجعت أخيرا، إلى اتخاذ المنهاج الإلهي أخذا جديا، وأصبحت الآن الدراسات جارية بشأن ما جاء في القرآن والسنة، حتى يستفيد كل البشر من هذه النعم، ولو أن التضليل حجب عن الناس هذه الحقائق لمدة طويلة، وساعد على ذلك تردد علماء المسلمين، وابتعادهم عن العلوم الكونية لعدة عوامل، منها دراسة العلوم دون الفقه، فأصبحت هذه العلوم شيئا مقدسا عند بعض الباحثين المسلمين، الذين يصعب عليهم دراسة اللغة العربية.

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *