Home الاعجاز الرياح اللواقح
الرياح اللواقح

الرياح اللواقح

0
0

إرسال الرياح اللواقح في سياق آية نزول المطر لا علاقة له بتلقيح النبات

ليس هناك تفسير كامل ودقيق للقرآن الكريم يتناسب مع عظمة الله الذي أنزله. وما جاء في كتب التفسير ليس إلا اجتهاد طفيف يجزى أصحابه أحسن الجزاء، لكن أن نأخذ به على أساس أنه التفسير القطعي للقرآن فالأمر فيه نظر. ولا يجوز كما لا يمكن أن يفسر القرآن وهو كلام الله بالسهولة التي نجد في بعض كتب التفسير. ولذلك فإن كثير من الحقائق قد تجلى أتناء نزول القرآن وظهر معناه كما ظهرت حكمته التي تنطبق على نفس المشاهد التي تتكرر في الوقت ت الحاضر. وهناك حقائق كذلك تجلت بعد حين، أي بعد بضع قرون، ولكن هناك حقائق لم تتجلى بعد. والمعنى القرآني لا يكون في مستواه إلا لما يقترن التصور بالتعقل: ربما يفهم أصحاب اللغة بعض المعنى، وربما يتصور أصحاب التأويل بعض المعنى، لكن الحقيقة تبقى غير ملموسة، إلا أن تظهر بالطرق العلمية، وهو الشيء الذي أصبح جليا كما سنبين.

ولو أن العلوم اكتشفت بعض الحقائق التي تطابق الوصف القرآني، فإن المعنى يضل صعب المنال بالنسبة للذين لم يدرسوا العلوم، وإلا فسيجدون في الآية معنا قصيرا وبديهيا لنقص علمهم، بيد أن الوصف القرآني يجب أن يتلاءم مع عظمة صاحبه جل وعلا. وهذا المعنى القرآني لا نجده في كتب التفسير، ولو أن بعضا منها يعرف لدى الفقهاء بالمرجع الأساسي في التفسير. فلو أخذنا بكتب التفسير السابقة واللاحقة، وسلمنا بأن القرآن تم تفسيره تماما كما يظن الناس، نكون تجرأنا على الله سبحانه وتعالى، ومن يقول أن القرآن أحيط بتفسيره فهو جاهل. ولهذا السبب اصطدم الإمام احمد بن حنبل رحمه الله مع جل علماء عصره، وأدرك الحقيقة القرآنية وعظمتها واقتنع بالمستوى الإلهي للقرآن، فرفض أن ينزلق وقد انزلق العلماء في عصره خصوصا الذين قبلوا فكرة خلق القرآن، وهي فكرة كانت مفتعلة وموجهة لضرب القرآن والإسلام كله.

ومن الرغم أن العلماء حرصوا دائما على سلامة الكتاب والسنة من التشويش، فإن بعض التقصير – ليس قصدا- كان دائما حاصلا. ولو أن القرآن سلم من محنة الخلق فإن هناك بعض الشوائب التي أصابته من أصحابه أنفسهم، وهم يحرصون على أن تبقى كلمتهم هي الأولى والأخيرة، ولا يقبلون أي اجتهاد آخر من أصحاب العلوم الكونية، بزعم أن هؤلاء ليست لهم آليات الفقه وعلم القرآن والشريعة وما إلى ذلك. وهنا يقع الخلل لأن هذه المصادرة تجعل توسيع الفقه وتعميم الرؤيا الإسلامية أمر غير ممكن. فالأمر في تمام السهولة لأن ضيق علم أصحاب الفقه يجعل الإسلام محدودا في دائرة صغيرة، لا تشمل العلوم الكونية وهي العلوم التي تأخذ القسط الوافر في القرآن والسنة. وهكذا أصبح القرآن لا يماشي العصر لأن أصحابه لا يماشون العصر. والإسلام لا يتقيد بالأشخاص وإنما يتقيد بالكتاب والسنة. وكل مسلم يترشح للدعوة وإظهار الحقائق القرآنية يجب أن يكون حافظا لكتاب الله ومتفقها فيه وعالما بالعلوم الكونية وباحثا فيها، ومن يقتصر على الجانب اللغوي أو الأدبي ينتقص من قيمة وحقيقة القرآن. فالعلوم الكونية تمثل الوجه القوي للقرآن لأنها تبين حجته بالدليل المادي، فالتحدي كان لغويا لما نزل القرآن، لأن اللغة كانت هي كل شيء آنذاك إذ كان العصر عصر شعر. أما التحدي الآن فأصبح علميا لأن العصر أصبح عصر علوم، والدعوة تعثرت وتأخرت بسبب بقاء القرآن في زاوية اللغة والأدب، بل بسبب مصادرة القرآن من طرف الفقهاء والأدباء، وهنا نفرق بين علماء الكون وعلماء الفقه.

ولم تظهر مدرسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة وهي مدرسة جديدة تعني بالعلوم الكونية في القرآن والسنة إلا في أواخر القرن الماضي، وهذه المدرسة تجتهد في تفسير الآيات الكونية التي وردت في القرآن والسنة، وبيان معجزة وحجية القرآن في عصر العلوم الكونية، ونظرا للتعاطي الكبير والضخم لهذه المدرسة بدأت الأمور تشتبه وتختلط،، وبدأت التفاسير والتأويلات تتعدد وليس هناك حدود تراعى في هذه التفاسير رغم تبنيها من لدن رابطة علماء المسلمين، ويرجع هذا الخلط والاشتباه إلى كون المتعاطين لهذا النهج يتسرعون في عرض بعض الطروحات أو التفاسير لبعض الآيات القرآنية دون أدنى علم في الميدان، وقد يستهينون ببعض الأوصاف القرآنية أو يفهمونها على غير ما جاءت به، وهو الخطأ الحاصل الآن في ميدان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

ونأخذ موضوع الرياح اللواقح الذي أجمع كل علماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة على تفسيرها بحادث تلقيح النبات واتفق جمهور علماء الكون على حمل المعنى على تلقيح الأزهار بحبوب اللقاح أو حبوب الطلع، وهذا التفسير لا يتماشى مع سياق الآية الكريمة، وقد أشار الدكتور زغلول النجار إلى نفس الملاحظة فيما يخص سياق الآية الكريمة، ورجح أن يكون التلقيح الذي ورد في الآية يخص السحاب ولا يخص النبات. وكل الطروحات التي فسرت التلقيح الوارد في الآية بأنه تلقيح النبات تعتبر طروحات مخالفة لسياق الآية. وقد نستغرب لهذا التفسير ونستغرب لقبوله والاستشهاد به على وجه الإعجاز في تلقيح النبات.

يقول سبحانه وتعالى في سورة الحجر: وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءا فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين. وقد جاء في كتب التفسير وعلى رأسهم الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ما يلي: فكلمة لواقح مشتقة من لقح ولقح بالتشديد والتخفيف قرائتان. ولواقح جمع لاقحة وتطلق على الأنثى التي بلغت الإنجاب. إلا أن هذا المعنى قديم، ويعرف التلقيح في وقتنا بإدخال شيء من أصل حي إلى جسم حي، كالتلقيح بالأمصال والجراثيم كالفيروسات أو المضادات الباكتيرية وما إلى ذلك. ويطلق التلقيح على إدخال خلية في خلية، كتلقيح البويضة بالحيوان المنوي أو تلقيح الزهور عند النبات بحبوب اللقاح. وقد استقر رأي المتعاطين لموضوع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة على تلقيح النبات، وعلى تلقيح الأزهار بحمل حبوب اللقاح من زهرة إلى أخرى، وهو حادث معروف في علم النبات، من حيث يكون التلقيح إما عبر الرياح أو عبر بعض الحشرات التي تحط على الأزهار فتلتصق بها حبوب اللقاح ثم تنتقل إلى زهرة أخرى لتصيبها بهذه الحبوب من زهرة مختلفة، وحمل معنى التلقيح الذي جاء في الآية على تلقيح النبات لم يراعي سياق الآية الكريمة التي تتحدث عن حادث آخر لا علاقة له بالنبات ولا بالأرض، وكل هذه المعاني تبتعد من المعنى الذي جاءت به الآية، وكل هذه التفاسير لا تتناسب مع موضوع الآية الذي يهم الرياح وإنزال المطر. والتلقيح الذي جاء في الآية هو تلقيح معروف كذلك في علم كمياء الأجزاء الصلبة ٍsolidchemistry   وبالضبط عملية التبلورcristallisation  . وهذه العملية تتعلق بتكون السحاب وتجمع بلورات الماء التي تتشبع بالشحن الضوئي والغبار ثم تذوب فتعطي مطرا.

فكيف إذن ترسل الرياح لواقح؟ ظن العلماء أن هذه الآية ربما تدل على تلقيح النبات بحمل حبوب اللقاح من زهرة إلى زهرة أخرى، وهو أمر معروف عند علماء النبات، وهو السائد في تفسير هذه الآية عند كافة الباحثين في ميدان الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، وقد نخالف التفسير القاضي بتلقيح النبات، فالرياح لها دور في لقاح النبات لأنها من العوامل التي تسهل تلقيح الأزهار وهي حقيقة معروفة في علم الأحياء، لكن سياق الآية الكريمة لا يتناسب مع هذا المعنى، وقد أخذ به كثير من العلماء. فالآية واضحة والسياق معروف والموضوع معروف، فالله سبحانه وتعالى يتكلم عن الرياح والسحاب والمطر. فالتلقيح في الآية يخص نزول المطر وليس النبات، وهو الأمر الذي لم ينتبه إليه كل من انزلق مع لقاح النبات، وكأن الناس في عجلة من أمرهم ليفسروا القرآن.

إن إرسال الرياح اللواقح يخص حادث تكون المطر، والمرحلة التي تفصل طور الماء السائل وطور الماء المتجمد. ولا يمكن لأي مركب كيماوي أن يتبلور بدون لقاح، وهذه العملية يستعملها الباحثون في الصناعات الكيماوية والغذائية لتسهيل تبلور بعض المركبات. ويعمد الباحثون إلى إضافة مسحوق رقيق جدا من نفس المركب إلى المحاليل المراد بلورتها، لتتجمع البلورات حول هذه الحبيبات الصغيرة أو البلورات الصغيرة، والمثل معروف جدا في صناعة السكر حيث يعمد الصناع إلى سحق السكر وإضافته إلى المحلول النهائي لتسهيل عملية التبلور. فالرياح اللواقح في هذه الآية وحسب الوصف والسياق تعني حمل قطيرات دقيقة جدا من الماء على شكل بلورة مايكروسكوبية لتتجمع حولها بلورات الماء في الفضاء لتسهيل عملية الجمع والتبلور، ويمكن آنذاك للرياح أن تسوق هذه السحب إلى كل بقاع العالم.

إن إرسال الرياح لتلقيح السحاب، يتبعه نزول الماء من السماء، فيجب أن ننظر لما تلقحه الرياح في السماء، ليكون له علاقة مع نزول المطر. ولو جاء العطف بالواو، لكان إرسال الرياح، وإنزال المطر أمران منفصلان، لكن العطف بالفاء يجعل الإنزال متوقف على الإرسال. والفهم العلمي للأحداث هو أن الرياح تلقح السحب قبل أن تكون سحبا، وهنا نرجع للغاية من العملية التي تكلمنا عنها وهي عملية التلقيح. فالرياح تلقح السحب ربما بالغبار أو ربما بقطرات الماء أو الثلج الدقيقة التي تتكون حولها قطع الثلج الكبيرة. والمعنى محمول على نزول الماء أي أن السحب لما تصل إلى مستوى الإمطار تصبح جاهزة لكن ينقصها التلقيح، وهو الغبار الذي تحمل الرياح فيصيب السحاب ثم يسقط الماء أو المطر. لكن عملية الإمطار تكون نتيجة إفراغ ضوئي، حيث تنساب قطرات الماء على شكل تموجات ناتجة عن إفراغ ضوئي يشحن السحب. ويبقى المعنى مرتبطا بهذه العملية، فهناك رياح تحمل الماء من الجو إلى الفضاء أو الأجواء العليا، حيث تتكاثف وتتجمد على شكل ثلج فيتكون السحاب، ثم هناك الرياح التي تهب قبل سقوط المطر فيتبعها المطر، وهي الرياح المبشرة ويعرف الناس الذين يعيشون هذه الظاهرة بالبادية كما تعرف الأبحاث العلمية هذه الحقيقة المرتبطة بإشباع السحب بالغبار ونزول المطر مباشرة كلما تم هذا الإشباع.

ويبقى الطرح بأن عملية تلقيح السحب بما تحمله الرياح لتسهيل عملية نزول المطر هو الطرح الصحيح، والتلقيح يتبعه ظهور منتج أو حادث طبعا ولذلك كانت عملية التلقيح بالنسبة للنبات هي ظهور الحب أو الفواكه أو الخضر وتلقيح الحيوان هي ظهور النسل وكذلك تلقيح السحب هو نزول المطر ولذلك جاء التعبير في الآية كتشبيه وليس كمجاز.

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *