Home الاعجاز الحديد
الحديد

الحديد

0
0

الإعجاز في الحديد وتوضيح البأٍس الشديد

 يقول سبحانه وتعالى في سورة الحديد الآية 25: 

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25).

 

 وقبل الخوض في هذه الآية الكريمة، نريد أن نذكر أن لغة القرآن تجمع بين البلاغة اللغوية والحقيقة العلمية، وترجح الحقيقة العلمية على البلاغة اللغوية، ليكون الإعجاز ليس بالكلام فقط، وإنما بالعلم كذلك، وكل الأوصاف القرآنية للأحداث الكونية تتسم بالدقة لأنها من الحكيم العليم. ولذلك قبل أن نخوض في أي علم يجب أن يكون الوحي مطلقا، وأن تكون العلوم نسبية بمعنى أنها محتملة للخطأ. وبما أنها محتملة للخطأ فهي غير قادرة على مقابلة الوحي، ولذلك فإن كل النتائج العلمية التي لا تتفق مع الوحي فهي واهية وخاطئة، فقد ظل العلماء يأخذون بنظرية أن اللحم مخلوق قبل العظام إلى أوائل الثمانينيات، ولم نصدق آنذاك بهذه النظرية، ولم نعترف بها إلى أن ظهرت الحقيقة، رغم أن بعض العلماء من البلاد الإسلامية، صدقوا هذه النظرية وكان يأخذهم الشك إلى درجة أنهم بدأوا يحاجوننا.

موضوع الإنزال أو التنزيل في القرآن

 يتردد تعبير أنزلنا وأنزل ونزل وننزل وينزل في القرآن الكريم في مواطن كثيرة، وكل الأشياء التي يتناولها الله سبحانه وتعالى بهذا التعبير هي من قدرته وحده سبحانه وتعالى ولا يقدر عليها البشر، والنسب يعود دائما عليه سبحانه وتعالى، لأن ليس هناك من يقدر على إنزال الأشياء التي خصها الله بالإنزال. وأنزل يعبر بها على أخذ الشيء من أعلى إلى أٍسفل، وكل التعبيرات القرآنية تعني الماء والملائكة إلى تعبيرين اثنين، أحدهما جاء في سورة الإسراء، وهو قوله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا، والثاني في سورة الحديد وهو قوله تعالى: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.

أما بخصوص التعبير الأول وهو إنزال الشفاء والرحمة من القرآن، فقد أرجعها العلماء إلى الشفاء النفسي بقراءة القرآن، وعللوا القول بأن الشفاء العضوي جاء في سورة النحل وهي السورة التي أتت قبل الإسراء، لقوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69). وقد جاءت شفاء مقترنة بالعسل وهو كما يعرف طبيا غذاء دواء لكل الأمراض، لأن كلمة شفاء جاءت نكرة تامة والتعبير جاء مطلقا، فيه شفاء للناس بمعنى شفاء من كل الأمراض ولكل الناس. وبذلك يكون إنزال الشفاء الذي جاء في سورة الإسراء معنوي وليس مادي وهو ما جاء به المفسرون أنه شفاء للنفس، وبذلك يكون العلاج العضوي ناقصا إذا لم يكن مصحوبا بالعلاج الروحي أي قراءة القرآن، وهو ما يدخله الطب الحديث ضمن الحالة النفسية للمريض.

أما القول الثاني الذي جاء بشأن الحديد فهو إنزال مادي بمعنى أن الحديد منزل من السماء، وقد تم تنزيله قبل بدأ الخلق، ليكون ضمن العناصر الكيماوية التي خلق الله منها آدم عليه السلام. لأنه لا يعقل أن يكون الخلق قد تم بدون عنصر الحديد الذي بدونه تستحيل الحياة، لأنه المكون الأساسي للدم، وهو الذي يجعل الحياة ممكنة عند الإنسان والحيوان، وسنرى أن هذا البأس سيكون في قوة الجسد كذلك وليس في الصناعة فقط. فالتراب الذي خلق منه الله سبحانه وتعالى أبا البشر، كان فيه حديد وإلا لما كان فيه دم، وبالتالي لما تمكن من الحياة. وتشير الدراسات الأنتروبولوجية والجيولوجية أن عنصر الحديد لا ينتمي لكوكب الأرض، لأنه ببنيته الكيماوية يستحيل أن يكون قد ظهر مع العناصر الكيماوية الأخرى، وكل الخصائص الكيماوية والفزيائية التي تكونت تحتها العناصر الكيماوية الأخرى لما انفصلت الأرض عن الشمس، لا تسمح بتكون الحديد على الشكل الذي يوجد عليه من حيث البنية الكيماوية والمغناطيسية.  

وقد اكتشف الإنسان مؤخرا أن الحديد لا يمكن أن يكون قد تكون من مفاعلات كيماوية بعدما انفصلت الأرض عن السماء، أي لما كانت العناصر كلها شكل غازات. وخصائص الحديد الفايزيوكيماوية تختلف عن العناصر الأخرى، وتتكون بنية الحديد على شكل ثماني بمعنى أن ذرات الحديد تتحد على شكل يضم ثمان ذرات، وعدد ثمانية لم يأت إلا في أربع آيات فقط، وهو عدد الأنعام الذي جاء في سورة الأنعام لقوله تعالى: ثمانية أزواج، وعدد حملة العرش كما جاء في سورة الحاقة:  ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وعدد الأيام التي سخر فيها الريح الصرصر ليهلك فيها الله سبحانه وتعالى تمود، في قوله في سورة الحاقة كذلك: سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، وجاء في سورة الكهف ضمن الأعداد التي ذكرت، والتي كان يحتمل أن تدل على عدد أصحاب الكهف، وهو العدد الراجح لأصحاب الكهف، في قوله تعالى:  سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب حيث فرق بين العددين المقترحين وعدد ثمانية في التعبير، ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، فكان العدد ثمانية منفصل عن الأعداد الأخرى. ولذلك وضع الإمام ورش رحمه الله الوقف على هذا العدد لأنه هو الراجح.

والحديد في الآية الكريمة عرفه الله سبحانه وتعالى بنوعين من الخصائص أو بمجموعتين من الخصائص، حيث تضم المجموعة الأولى بأس شديد وهي الخصائص الفزيائية للحديد، والمجموعة الثانية وتضم منافع للناس وهي الخصائص الكيماوية والفايزيولوجية. وربما يكون هناك ارتباط بين الخصائص لأن المنافع قد تأتي من البأس، فالسكة الحديدية التي يمشي عليها القطار فيها بأس شديد، وهذا البأس هو الذي يجعل المنفعة، وكذلك كل الآلات الفلاحية والبواخر والطائرات والدبابات الحربية والمكوك الفضائي والأقمار الصناعية، وكل ما يسهل حياة البشر ويجعلها مريحة مصنوع من الحديد. والبأس الشديد كما جاء في الآية الكريمة لا يوجد إلا في الحديد نظرا لخصائصه الفزيائية والكيماوية.

خصائص الحديد يدخل الحديد ضمن المعادن الانتقالية transition metals وهو الصف الذي يضم 38 عنصر وهي المجموعة الثالثة من بين 122 مجموعة. وتمتاز هذه المعادن بكونها موصلة للضوء ويمكن خدمتها أي بمعنى أنها تكون قابلة لأي عمل كبرمها وليها وثنيها أي لا تتكسر، وهذه الخاصية يعلمها البناءون جيدا لأنهم يعملون ما يشاءون بالحديد حين يضعون القضبان في السقوف وحين يلوونها أو يثنونها أو يقطعونها بالفأس وما إلى ذلك. ولها خاصية كيماوية من حيت بنية الذرة أن الإليكترونات القابلة للتفاعل لا توجد على مدار واحد وإنما على مدارين M  و N وتكون بذلك البنية على الشكل التالي:

الرقم  الذوبان حرارة كيوري الشكل
الحديد 26 14 2 1535 1043 رباعي
الكوبلت 27 15 2   1495     1388  سداسي
النيكل 28 16 2 1453  627 رباعي

وإذا نظرنا إلى هذه المعادن المتتابعة في التصنيف في جدول العناصر الكيماوية الحرة، نجد أن هناك فرق من حيث الخصائص المتعلقة بالمعدن وبما يمكن أن يستعمل له، واخترنا هذه المعادن لأنها الوحيدة التي تتوفر على قوة مغناطيسية فهي قابلة للتمغنط بسهولة كما سندرج خصائصها المغناطيسية. ونلاحظ أن الحديد يتوفر على 14 إليكترون على المدار M واثنين على المدار N  بينما تتوفر الكوبلت على اليكترون واحد على المدار M والنيكل لا يتوفر على أي اليكترون على هذا المدار، وهو ما يسمح للحديد بالتفاعل أكثر فيما يخص الترابطات الكيماوية ويمكن أن يأخذ مستويات مختلفة من التأكسد على شكل أيونات من فئة واحد واثنين وثلاثة، وتوزيع الأليكترونات على المدارين هو إعطاء مرونة كبيرة من حيث التفاعل الكيماوي، لأن المدار M إذا أغلق لا تكون الذرة قادرة على تكييف الترابط الكيماوي، ونلاحظ أن الحديد يدخل في تركيبات كيماوية عضوية، تجعله يرقى إلى درجات عالية من التأكسد داخل البنيات الجزيئية. ولذلك كان الحديد هو العنصر الذي جعله الله سبحانه وتعالى ضمن الهيموكلوباين، لأنه يعطي قوة تأكسدية جاذبة للأوكسايجن أقوى من المعادن الأخرى، وتكون درجة الذوبان مرتفعة بالمقارنة مع الكوبلت والنيكل من حيث تكون الصلابة والمقاومة للتمدد تحت الحرارة أكبر، وهو ما يناسب صناعة المعدات واستعمال الحديد في الأعمال التي من شأنها أن تصاب بالتمدد مثل السكة الحديدية والقناطر والأفران، وما إلى ذلك وربما يستعمل الحديد في معدات أخرى غير قابلة للانصهار. وتأتي حرارة كيوري بالنسبة للحديد بين حرارة الكوبلت وحرارة النيكل ليكون استعمال الحديد مرشد، ويمكن ضبطه والتحكم فيه أكثر، وهناك خصائص أخرى تجعل من الحديد العنصر الوحيد المرشح لكل أعمال البأس الشديد، أو الأعمال التي يراد بها التقوية أو القوة، لأن كل ما يستعمله الإنسان لمستلزمات الحياة اليومية هو مصنوع من الحديد، ولعل أكبر عامل يجعل من الحديد العنصر الأساسي في الصناعة هو كونه معدن يقبل العمل من حيث يمكن أن يقطع ويمكن ن يلوى ويمكن أن يثنى ويمكن أن يصهر ويمكن أن يلحم، فقابلية الحديد لهذه الاستعمالات هي التي جعلته يكون معدن القوة ومعدن الحياة اليومية. وهناك عامل الثمن بالمقارنة مع المعادن الأخرى، وهناك بعض الأشياء التي تصنع من النيكل لغاية ما قد تكون ضعيفة عند الحديد لكن هذا الاستعمال يضل بدون ذكر أمام استعمالات الحديد من حيث الكمية ومن حيث المجال. ورغم أن الثلاث معادن التي تكلمنا عنها قادرة على التمغنط فإن الحديد هو الوحيد الذي يعطي أطول مدة في التمغنط وكذلك القوة المغناطيسية من حيث التجاذب، ذلك أن كثافة التدفق  Remanent flux density للحديد هي 130000 كوس بينما تبلغ الكوبلت 5000 والنيكل  40000، وهذه الخاصية تعطي للحديد نشاطا مغناطيسيا كبيرا وقابلية للتمغنط، وهو ما يستغل في الصناعة الحديدية أو الكهروميكانيكية، لأن أساس أي محرك ينبني على حركة المطاردة المغناطيسية الدائمة  أو stator  و Rotor. وبدون المجال المغناطيسي الذي يمكن إحداثه عبر التكهرب electromagnetic  وقد أحدثت هذه الخاصية، التي ينفرد بها الحديد في المجال الصناعي، ثورة علمية وصناعية جعلت من الحديد معدن خدمة الإنسان. ولا يمكن أن نعطي كل التفاصيل التي تجعل من الحديد العنصر الأساسي للصناعات الثقيلة، لكن بعض الخصائص الكيماوية والفزيائية التي تساعد على تقريب الحقائق العلمية من القارئ. وكل العلوم التي انبثقت عن القوانين الفزيائية مبنية على المجال المغناطيسي وقوة التمغنط وإحداث الكهرومغناطيسية، وتعددت الاستعمالات لهذه القوانين في الميدان الصناعي، وكل المحركات التي تعمل بالضوء تستغل خاصية الحديد المغناطيسية والكهرومغناطيسية. وقد عرفت هذه الخاصية مجالات واسعة في التسجيل الصوتي، وإعادة التسجيل وكذلك في كثير من الأنظمة المعلوماتية، والرصد وتكبير الصوت. والدبدبات الكهرومغناطيسية تعرف اليوم استعمالا ضخما، حتى أن الحديد أصبح ينطق، وكان ذلك مصداقا لقوله تعالى فيه بأس شديد ومنافع للناس. لا شك أن من جملة الخصائص المهمة لاختيار الحديد كمعدن للصناعة الثقيلة، هو توفره على خاصية إنفاذية initial relative permeability  وهي التي تبين قدرة التمغنط داخل المجال المغناطيسي، والحديد له أعلى نسبة من الإنفاذية 150 بالمقارنة مع المعادن الأخرى وهي الكوبلت ب 70 والنيكل ب 10 فقط. وتحدد هذه الخاصية قابلية الحديد للاستجابة للقوة المغناطيسية التي يعرض لها المعدن. وطبعا كلما كانت مرتفعة كلما كانت استجابة المعدن للتمغنط مرتفعة، وكلما كانت القوة المغناطيسية شديدة حيث يمكن استغلالها في المجال الصناعي. وللحديد خاصية التلاحم مع المعادن الأخرى، وأشهرها النيكل والنحاس والكروميوم والموليبدن وتسمى هذه المعادن المختلطة بالسبائك alloys  وتستعمل لغاية معينة إما للحرارة أو لمقاومة التأكسد أو للصلابة أو حسب ما تقتضيه الغاية من استخدام معدنين. وهناك أمثلة كثيرة لهذه المواد التي تقتضي استعمال معدن غير قابل للتأكسد، مثل المعدات التي تستعمل في الصناعات الغذائية كآلات التعقيم والقنوات والخمارات وحاويات نقل الحليب  وما إلى ذلك وهناك المعدات المستعملة في الميدان الصحي كالإبر والأدوات الجراحية والحديد المستعمل في جبر الكسور، والمعدات اليومية مثل شفرات الحلاقة. وهذه الاستعمالات الجانبية تجعل الحديد يلتحم مع معدن آخر بنسبة معينة. الخصائص الكيماوية يتوفر الحديد على قدرة تأكسدية كبيرة تفوق المعادن الأخرى مثل النحاس والفضة والذهب والأليمنيوم والرصاص والزنك، ولذلك اختاره الله تعالى ليقوم بدور شد الأوكسايجن ونقله إلى الخلايا عبر الهيموكلوباين، ووجود الحديد في الدم يجعل التبادل يمشي في اتجاه أخذ النفايات على شكل غازات وهي ثاني أوكسايد الكربون من الخلايا لنقلها إلى الرئتين، وبما أن التوازن يقتضي أن تكون عملية ازدواج كيماوي بين الحالة التأكسدية والحالة الاختزالية، فالدم ينقل الأوكسايجن من الرئتين إلى الخلايا، ولذلك نتكلم عن الدم الأحمر والدم الأزرق، وكذلك حالة المايكلوباين الموجود في العضلات فهناك توازن بين المايكلوباين المتأكسد oxymyoglobin والمايوكلوباين المختزل metmyoglobin.      ويمثل الحديد العنصر الأساسي لحياة البشر، والحديد يدخل في تركيب الدم أو بالتدقيق في بنية الهيموكلوباين ويمثل الحديد المركز المعدني لجزيئة الهيموكلوباين أو الهيم، والهيموكلوباين هو الذي ينقل الأكسايجن إلى الخلايا، ولولا الحديد ما تمكن الجسم من العيش دقيقة واحدة، وتتكون الخلايا الحمراء من  200 إلى 300 جزيئة هيموكلوباين، بينما يبلغ عدد الكريات الحمراء في الدم ما بين 5.2 مليون خلية في الملليتر الواحد من الدم عند الرجال و4.7 مليون خلية في الملليتر واحد من الدم عند النساء، ولذلك نلاحظ تفوقا في القدرة الجسمانية عند الرجال، وتعيش الخلايا الحمراء في الدم ما بين 90 إلى 120 يوما تقريبا بالنسبة للهيمكلوباين العادي أو Hba لأن هناك هيموكلوباين من نوع Hbs عند الأشخاص الذين لديهم أنيميا وراثية. والخلايا الحمراء لها شكل مرن جدا من حيث تغير شكلها حسب التبادل على مستوى الرئتين فهي التي تنقل الأوكسايجن من الرئتين إلى الخلايا مقابل ثاني أوكسايد الكربون، ولذلك يمكن أن تتمدد لتجعل التبادل أحسن أو قد تأخذ الشكل الطويل لتتسرب من الأوعية الدموية، ويكون عامل الحديد هو العامل الأساسي لحياة ونشاط الخلايا الحمراء. ويوجد الحديد كذلك في الخلايا العضلية على شكل مايوكلوباين وتكون على شكلين الشكل المتأكسد أو الأوكسيمايكلوباين oxymyoglobin وهو الشكل الذي يعطي للحم لونه الأحمر، أو قد تكون على الشكل الإختزالي أو الميتمايكلوباين  Metmyoglobinوهو الشكل الذي يعطي للحم لونا أزرق. وتتعامل المايكلوباين مع الهيموكلوباين في كل تفاعلات التبادل الغازي من الخلايا إلى الدم ومن الدم إلى الخلايا. وبذلك يكون الحديد العنصر الأساسي الذي يعطي للعضلات قوة وحيوية. ويعتبر نشاط الخلايا العضلية الحمراء أو العضلات الحمراء كما نسميها في علم التغذية خلايا تأكسدية، لأن لديها استقلاب تأكسدي يأخذ الأوكسايجن ويحرق الوقود الذي يصل إلى الخلايا لتحويل الطاقة الكيماوية إلى طاقة ميكانيكية. ولذلك يعتبر العمل أو الحركة ضروري لهذه الخلايا وإلا فالجسم يمكن أن يخزن الطاقة على شكل شحوم وتطغى الخلايا العضلية البيضاء على الخلايا العضلية الحمراء. الاستقلاب الطبيعي للحديد normal metabolism يمتص الجسم العادي 10 بالمائة من كمية الحديد الغذائية اليومية وهي ما بين 10 و 20 مغ، ويضيع الجسم كذلك ما بين 1 إلى 2 مغ في اليوم من جراء موت بعض الخلايا، ويكون الامتصاص في أوجه عند الأطفال أثناء النمو، بينما يكون أقله أثناء الدورة الشهرية عند المرأة. ويمتص الحديد في القناة الإتناعشرية. ويوجد بروتين ناقل يسمى DTM1  divalent metal transporter  وهو الناقل الذي يسهل عبور الحديد عبر الجدار المعوي، وكذلك بعض المعادن الأخرى مثل المنغنيز والنحاس والكوبلت والزنك لكنه يقوم بتسهيل امتصاص معادن أخرى خطيرة ومنها الكدميوم والرصاص. ويترابط الحديد مع كليكوبروتن يسمى الترانسفيرين. وتكون نسبة 0.1 بالمائة من الحديد الكلي على شكل مرتبط بالترانسفرين. وتستعمل غالبية الحديد في العظام لإنتاج الخلايا الحمراء. ويكون الحديد في الجسم على شكلين الفيريتين ferritin والهيموسيديرين hemosiderin.وحسب التوازن الطبيعي فإن الكمية اليومية التي يضيعها أو يربحها الجسم تكون ضئيلة جدا، نظرا لاستعادة الحديد من الخلايا الحمراء التي تغادر الأوعية الدموية وتموت. ويوجد تقريبا 2 مغ من الحديد عند المرأة البالغ و6 مع عند الرجل البالغ تتوزع على الخلايا الحمراء أو الهيم الذي يوجد في الهيموكلوباين بقدر 1.5 إلى 2 مع والتخزين بقدر 0.5 إلى 1 مغ أما الكمية الباقية فتكون في العضلات الحمراء والأنزيمات التي تحتاج للحديد لتنشيطها. وتجرى التحاليل المخبرية على الدم لمعرفة هذا التوزيع ولمعرفة الخلل بالتدقيق، وتشمل هذه التحاليل كل الحديد المصلي Serum iron وقوة المصل لشد الحديد serum iron binding capacity  وكمية الفيريتين serum ferritin  والعد الكلي لخلايا الدم complete blood count والتحليل التشريحي للكبد والنخاع العظمي. وتبين هذه التحاليل حالة الحديد المخزن والحديد الموجود في الدم، وكذلك حالة الأعضاء التي تقوم بعملية التزويد والتثبيت على الخلايا الحمراء. العوز في الحديد Anemia وهو العوز أو النقص الذي أصبح نصف سكان العالم يعانون منه، ولم يكن هذا الخلل معروفا من ذي قبل، ويتبين أن لهذا الخلل عوامل حديثة جعلته يتفاقم ويزداد، وبدون الحديد لا يمكن للجسم أن يكون على أحسن ما يرام، لأن كل الوظائف ترتبط بالدورة الدموية، وتنشيط التبادل بين خلايا الجسم والوسط الخارجي، برمي النفايات الغازية وأخذ الأوكسايجن ليبقى الجسم على قوته. وقد لجأت الصناعة الطبية إلى وضع مركب من الحديد كدواء للمصابين بالنقص في الحديد، وهو نهج خاطئ، لأن الحديد يجب أن يكون عبر الأغذية، وليس كحديد حر أو خالص، فربما يحدث هذا الشكل من الحديد بعض الخلل في الوظائف، ووصل الأمر إلى أن أصبح شأنا سياسيا أو استراتيجيا بالنسبة للتغذية العالمية، لأنه أصبح يهدد البشرية بالانقراض، نظرا لما قد يحدثه من هشاشة في البنية وتدني للمناعة ونقصان كذلك في المردودية بالنسبة للجسم، وما إلى ذلك من فقدان القدرة على العمل وعلى التفكير، وعدم النمو عند الأطفال، وتعرض النساء لكثير من الأمراض من جراء هذا الحادث الخطير. ونشير إلى أن كل ما خلق الله تعالى على وجه الأرض فيه حديد، ولا تقوم الحياة عند النبات والحيوان إلى بالحديد، وبذلك يكون نهج تزويد المواد الغذائية بالحديد  نهجا خاطئا، وربما يكون أخطر مما قد يتصوره العلماء، ويبقى شأنا تجاريا وليس شأنا صحيا كما يكون أمرا استراتيجيا وليس إنسانيا. إن نقص الحديد في الدم لا يعزى إلى نقص في مستوى الحديد في الأغذية، وإنما يعزى إلى نقص في امتصاص الحديد على مستوى الجهاز الهضمي، أو تدني فايزيولوجي في وظائف الأعضاء القائمة بتجديد وإعادة استرداد الحديد من الكريات الحمراء المتقادمة، ونلاحظ أن النقص في الحديد يكون دائما مصحوبا بالنقص في الكلسيوم والزنك. وهناك كثير من المواد السامة الني تجعل الحديد لا يمر عبر القناة الإتناعشرية أو لا يسترد من قبل الخلايا البيضاء في الدم أثناء تقادم الخلايا الحمراء. وربما يكون ترابط الحديد مع الناقلات في القناة الإتناعشرية ترابطا صحيحا وجيدا لكنه لا يصل إلى الدم أو قد لا يمر عبر الأمعاء. وحسب تقديرنا للمسألة فإن نقص الحديد في الدم يعزى لوجود المواد الكيماوية السامة التي تحول دون امتصاص الحديد، وهو ما نسميه بمتبطات الهضم أو مانعات الامتصاص، وهي المركبات السامة التي تشمل الأليرجينات والميلانويدات الموجودة في الحلويات والسكريات ومنها السكر الأبيض والسكريات الغير قابلة للهضم مثل المالتيتول والسربتول وكذلك المبيدات والمحفظات الغذائية والملونات والأسبرتام والأكريل أميد والبيروكسيدات ولا يمكن أن نحصي المئات من المواد الكيماوية التي لا تسمح بامتصاص الحديد. ومن جهة أخرى فإن المواد التي تسهل امتصاص الحديد أصبحت كذلك ناذرة في النظام الغذائي، ومنها الفايتمينات والمواد المضادة للأكسدة والهرمونات النباتية، والألياف الخشبية، وكل الحبوب الغذائية المحتوية على الفايتستروجينات تسهل عملية الهضم والامتصاص لجميع العناصر الغذائية، ولا نخص مواد غذائية بالحديد دون أخرى، فكل المواد الغذائية تحتوي على الحديد، لكن المواد الغذائية الحيوانية تحتوي على الحديد الهيمي الذي يمتص بسهولة، وكل اللحوم الحمراء وأهمها لحم الدجاج البلدي، وكذلك الخضر والفواكه والحشائش والأوراق الخضراء والأعشاب الطبية والحبوب والقطاني والبذور الغذائية. فقر الدم الناتج عن الأمراض وهي الحالات التي لا يستعمل فيها الحديد بدون أن يكون ناقصا أو زائدا على الكمية لمعتادة للجسم، ويتسبب في فقر الدم كل الحالات التي يكون فيها الجسم تحت تأثير عرضي، كالإصابة بأمراض جرثومية أو التسممات الغذائية أو الحالات الالتهابية، وظهور تضخم على بعض الأعضاء، وكذلك بعض حالات الأمراض الباطنية. وهذا الوضع ربما يعزى إلى خلل في السايتوكين الذي يتوقف على تمرير الحديد من الكمية المخزنة إلى المكونات التي تعطي الخلايا الحمراء في النخاع العظمي. وقد يعزى كذلك إلى عدم القدرة على تحرير الحديد من الخلايا البيضاء الآكلة وإرجاعه إلى الترانسفيرين. وتكون النتيجة انخفاض في الحديد المصلي وانخفاض كذلك في القدرة على شد الحديد. وكل هذه المعطيات تبين مدى أهمية الحديد في الجسم، ومدى منفعته للجسم، وتبين كذلك أن البأس الشديد يعني كذلك قوة الجسم العضلية، وقد رأينا أهمية الحديد بالنسبة لهذه القوة وأن أي نقص في كمية الحديد يؤدي إلى ضعف جسدي كبير قد يستحيل معه وقوف الشخص على رجليه. ولذلك فالوصف الذي جاء في الآية الكريمة يخص البأس الشديد الذي ذهب إليه العلماء وهو ما تكلمنا عنه يشأن كل ما يصنع وما يعمل بالحديد، ونكمل المعنى لنبين أكثر هذا البأس من حيث القوة الجسدية للإنسان، فالحديد هو الذي يعطي قوة للجسم، ويلاحظ ذلك في العظام والدم، وقد كان الإنسان شديد البأس أكثر مما هو عليه اليوم، وكلما نقصت الحركة التي تجعل الجسم يعمل بقوة أكثر، كلما تدنت صحة الإنسان وقد جاء هذا التعبير في آيات أخرى منها قوله تعالى في سورة الأنعام قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65). ويأتي هنا البأس ليس بالآلة أو بالحديد لكن بالقوة الجسمانية وربما يصعب التصور أن الإنسان كان من أقوى المخلوقات في الأرض بل كان يتصارع معها يغلبها. وجاء التعبير كذلك في  سورة الأحزاب: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18). وفي هذه الآية يعبر الجليل عن البأس كقوة جسمانية وكقوة لبني الإنسان عل  بعضهم البعض، ولا يكون لبأس إلا في المعارك حيث يظهر الأقوياء قدرتهم على القتال وهو ما جاء كذلك في سورة الحشر: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)، وفي سورة النساء كذلك يأتي التعبير في نفس الاتجاه وهو القوة الجسمانية التي يقهر بها البشر بعضه البعض وهو قوله تعالى : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً (84).ولذلك كان التعبير دقيقا فيما يخص هذا البأس الذي بدون الحديد في الجسم لا يمكن أن يكون، ولنتصور أي شخص مصاب بداء فقر الدم ثم يقوم بأعمال قوية، قد كون من المستحيل أن يقدر هذا المصاب بفقر الدم على فعل أي شيء، ولذلك فالحديد هو الذي يعطي للجسم هذا البأس الشديد الذي يمكنه من القيام بأعمال كبيرة تتطلب التحمل والصبر. ونلاحظ أن نقص الحديد في جسم الإنسان يعرضه لكل الأمراض، بل ربما لا يقدر على الوقوف، وتظهر هذه الأعراض كلما نقص الحديد في الدم بكمية ضئيلة جدا. وهناك بعض العلاجات التي لا يمكن أن تجرى على الأشخاص الذين لديهم فقر الدم، ومنها العلاج الكيماوي للمصابين بالسرطان، ولذلك يطلب الطبيب المعالج من المريض القيام بتحليل الدم ليرى هل مستوى الكريات الحمراء مرتفع أو منخفض، لأن هذا المستوى هو الذي سيحدد عدد الحصص، وكذلك إلى أي حد يمكن للعلاج أن يطبق على المريض، ويلاحظ كثير من المرضى أن هذه التحاليل تجرى قبل كل حصة من العلاج الكيماوي إلا أن المريض يضن أنه في تحسن، لكن مع الأسف فهو في تدهور، لأن العلاج الكيماوي أول ما يقتل الخلايا الدموية وأول ما يتأثر الخلايا الحمراء، فتزيد حدة المرض لما تنخفض مناعة الجسم، بل لا يمكن أن نتصور فقر الدم مع العلاج من السرطان، ولذلك يجب أن يكون الشخص شديد البأس ليقدر على العلاج الكيماوي. وجاء التعبير بالبأس الشديد والمنافع وهو تعبير دقيق جدا فيما يخص المنافع التي لا غنى عنها من السكين الذي نقطع به الخضر واللحوم، إلى المعدات الأخرى التي تسهل الحياة، وهي السيارة والمعدات المنزلية والقطار والباخرة والفضائيات والمواصلات عبر الأقمار والبناء والأعمال الزراعية وكل الأنشطة البشرية على وجه الأرض. والبأس وإن كان العلماء فسروه على أساس المعدات الحربية، فهو كذلك يهم القوة الفايزيولوجية للجسم، وهو المكون الذي يجعل الجسم يحيى بأخذ الأوكسايجن، وإخراج النفايات وعمل الأنزيمات والعضلات وصلابة العظام. وبدون الحديد لا يمكن للجسم أن يقوم بهذه الأعمال، ونلاحظ أن الأنيميا أو فقر الدم لا يكون بانخفاض كبير في نسبة الحديد بالدم وإنما بكمية بسيطة فقط ويظهر الأثر من حيث لا يقدر الشخص على الوقوف. وقد أجرينا بعض الأبحاث على عوز الحديد وبعض الحلول التي  يمكن أن تحد من هذا العوز وتبين أن تغيير نسبة الحديد بالدم بشكل طفيف جدا يجعل الإنسان يصاب بالأنيميا.  

 

وياقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين    هود

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *