الجوع

الجوع

0
0

هو سر تجنب الأمراض

من الناحية العلمية المحضة، يحدد العلماء وقت الأكل، أو الوقت الذي يحتاج فيه الجسم إلى المغذيات، بوقت الإحساس بالجوع، والإحساس بالجوع يعني أن الجسم قد استنفذ كل المغذيات، ويحتاج إلى كمية منها ليبقى حيا. ويستعمل الإحساس بالجوع كمؤشر، أو كعلامة يمكن أن يضبط بها الشخص التوازن الغذائي من حيث الكمية. وليس هناك ما يمكن أن نعتمد عليه من الناحية العلمية، ليجعل هذا الضبط سهل المنال، من حيث يمكن أن يطبقه الناس في حياتهم اليومية، ولذلك بقي هذا الأمر في الأخذ والرد، لأن الأجسام الحية ليست آلات تضبط بمعايير مادية، وبما أن الأكل غريزة في الإنسان فضبطه ليس بالأمر السهل، لكن الإسلام تمكن من ضبط هذا الأكل بالصيام، وليكون هذا العامل فاعلا جعله من الفرائض، أو ما يصطلح عليه بالأحكام التكليفية، وهي الأحكام التي تتطلب صبرا كبيرا، وهذا التكليف له مزاياه في تعليم الشخص الصبر والاحتمال، والقدرة على الجوع والعطش ليست بالأمر الهين، وهو ما كان علينا أن نفهمه من مقاصد الصيام الكونية، رغم أن هذا العامل تكلم عنه العلماء كمقصد شرعي لأن الإحساس بالجوع يجعل الإنسان يحس بالذين ليس لهم ما يأكلون، وهذا الطرح يبقى ضعيفا فيما يخص الغاية من الصيام، ذلك أن الإنسان من طبيعته أن تطغى عليه الغريزة، وغريزة الأكل ليست سهلة، ولا يمكن أن نتحكم فيها، وبدون حكم شرعي يصبح من المستحيل التحكم في هذه الغريزة، ولذلك يجب أن نفهم أن الصيام كركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة، ليس مجرد تطوع وعبادة لله سبحانه وتعالى فحسب، وإنما هناك معجزات وأسرار لا ينتبه إليها المسلمون.

لو فهمنا الغاية من الصيام ما كان علينا أن نعود إلى الحميات الطبية، وما كان علينا أن نسقط في الأمراض والويلات التي أصابت الناس بسبب الأكل المفرط والشره، وقد أصبح الإنسان يعيش ليأكل. فالأكل المفرط والإسراف يجعل الإنسان يراكم كميات كبيرة من الشحوم والكوليستيرول والسموم في جسمه، ولا حل للتخلص منها بدون إرغام الجسم على طرحها بالامتناع عن الأكل كليا أثناء النهار، ولمدة طويلة أقلها شهر، وهي الغاية من صيام رمضان، لأن عامل الجوع يجعل الجسم يرجع إلى ما خزنه ليستعمله، والصيام يعلمنا كيف يمكن أن نبقي أجسامنا بدون زيادة، وبدون تراكم السموم، وقد جعله الله شهرا كاملا، كما زاد الرسول صلى الله عليه وسلم صيام ستة أيام من شوال، ويستحسن أن تكون مباشرة بعد عيد الفطر ومتتالية. يبقى كل هذا فقط لنفهم أن الجوع هو العامل الأساسي الذي يجنب الإنسان كل خلل ناتج عن الطغيان في الأكل. وكل من لا يحس بالجوع لمدة أقلها ست ساعات في النهار في الشهور الأخرى، فهو معرض لأي مرض في أي وقت.

لا يمكن أن يكون صيام شهر كامل وزيادة ستة أيام من شوال بدون غاية كونية، وكل هذا التكليف من الله سبحانه وتعالى فقط لنفهم السر الذي يحفظ الجسم من كل الأمراض، ويقي من كل الويلات الصحية، وهذا السر هو الجوع، وليس أي جوع، بل الجوع الشديد، ولمدة طويلة، وهذا السر لو تعلمه الناس من رمضان، وهم يصومون كل سنة وفي كل فصل، ما كان لهم أن يصابوا بالأمراض التي تترتب عن الإفراط في الأكل، وعن اختلاط الأكل، وعن الأكل في كل ساعة، وعن التفكير دوما في الأكل، وهذه العبادة المعجزة التي تتجدد كل سنة لتذكرنا بالطريق الصحيح في معيشتنا، وإن جعلها الفقهاء تقربا لله وعبادة له، فهي الضابط القوي الوحيد الذي يجعلنا نعيش آمنين من الأمراض.

ونفهم أن قوة الصيام كركن أساسي من الأركان الخمسة، يجب أن تفهم على هذا النحو، فالله يمكن أن يعبد بشتى الطرق، لكن هذه الطريقة هي له سبحانه وتعالى، ولنا كذلك، فهي كبيرة عند الله، وكبيرة بالنسبة لنا، بحفظنا من الأمراض التي فتكت وتفتك بالناس، من سوء فهمهم لمعيشتهم. وعامل الجوع الذي يجب أن نتعلمه من مدرسة رمضان، له تأثير على كل وظائف الجسم، فالنظام الهرموني مثلا لا يضبط إلا بالجوع، والمرأة البدينة ربما يتعذر عليها الحمل، وليس هناك حل للسمنة والكوليستيرول والشحوم في الجسم إلا الجوع والحركة، وليس هناك حل يمنع تكون الحصى في المرارة والكلية والمتانة إلا الجوع، وهناك أبحاث كثيرة حول تأثير التجويع على ارتفاع الضغط، وقد أجريت أبحاث كثيرة كذلك على خفض عامل IGF-I بالتجويع، والجوع يحد من تطور الأورام السرطانية، والمعجزة الكبيرة أن الجوع يزيد في نمو الأطفال، وهو عكس ما يظنه الناس، لأنهم دأبوا على النصائح التي تحتهم على كثرة البروتينات للأطفال، وأغرب ما لدينا حول الصيام كمعجزة، يعني لا يمكن تفسيرها علميا، هو تحسن حالة الذين لديهم نقص في الحديد والكلسيوم، وهو عكس ما هو متداول حول هذه المعضلات، وكان أول ما لاحظه الباحثون في الدول الغربية، أن الأورام الليفية عند النساء، تتقلص بشكل كبير تحت تأثير الجوع، وقد تزول نهائيا. ولا يمكن أن نذكر كل الأمراض التي يحد منها الجوع، وقد أصبحنا نحتاج الصيام في العصر الحاضر، أكثر ما كان يحتاجه الناس لما نزل الوحي، لأن الأكل أصبح يطبع هذا العصر، بينما كان الجوع هو الذي يطبع عصر نزول الوحي. و نلاحظ أن الأمراض المعاصرة تكاد تكون كلها مزمنة، وعلى رأسها الأمراض المناعية، بينما كانت الأمراض الجرثومية مثلا هي التي طبعت العصور السالفة.

ونحن نتكلم عن الجوع وليس الصيام، لكي لا نخلط الأشياء، فالجوع نتعلمه من الصيام الذي هو عبادة، وإذا تعلمنا هذه المزية، وفهمنا قوتها في التأثير إيجابيا على صحتنا، فقد بلغنا الغاية الكونية من الصيام. وإذا كنا نصوم كل سنة بدون أن نتعلم من هذا الدرس القاسي، فقد تهورنا مع المقاصد الكونية للصيام. ولعل ما غطى على هذه المزية الكبيرة، مزية تعلم الجوع، هو كثرة الحديث عن الجانب التعبدي، وترك الجانب الكوني، فإذا صمنا شهرا كاملا ولم نتعلم الجوع، فقد ضيعنا فرصة لا تعوض، والله يريد أن يعلمنا ما يحفظنا من الأمراض، لأن الإنسان زرعت فيه غريزة الأكل. ورغم تقدم العلوم الكونية في الميدان الصحي، فالإنسان عاجز عن تدبير نفسه، فهو يأكل كلما رأى الطعام، ولذلك ظهرت علامات الأكل باستمرار وغياب الجوع، وهي الغازات في الأمعاء

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *