Home راقب صحتك التحولات الغذائية
التحولات الغذائية

التحولات الغذائية

0
0

التحولات الغذائية وانعكاسها على الصحة

مما لا شك فيه أن الأمراض المزمنة لم تظهر بالشكل الملحوظ إلا مؤخرا، ولم تظهر إلا لما تغير نمط العيش عند الإنسان. ذلك أن انتقال الأسلوب الغذائي من النباتي إلى الحيواني، جعل الأمراض المزمنة تتفاقم حتى عمت كافة شرائح المجتمع في البلدان الغنية. وانتقال نمط العيش من طبخ المنزل إلى المواد المصنعة أجج هذا التفاقم، ونحن الآن مع ارتفاع الأمراض المناعية بشكل رهيب علما أن ليس هناك علاج نهائي لهذه الأمراض لتدخل في خانة الأمراض المزمنة.

ونلاحظ أن التمدن ساعد كثيرا على تشجيع استهلاك المنتوجات الصناعية والمصنعة، ونهج طريقة التغذي على الوجبات السريعة، وانتقال الناس من الطبخ إلى المعلب. ورغم هذا الاختلال في التغذية، الذي أدى إلى كل الويلات الصحية التي نواجهها الآن، فإن التغاضي عن الرجوع إلى التغذية السليمة، لا يزال يطبع الحياة العامة للناس. وربما لا يزال التخوف من البروتينات سائدا في عصرنا الحاضر، بعدما انزلقت العلوم مع بعض الاستنتاجات التي جعلت من تناول اللحوم قاعدة عامة، وأصبحت اللحوم هي التغذية الصحيحة الراقية، وهو الخلل الذي جعل الأمراض تتفاقم بشكل فضيع.

لقد أدى التسابق نحو البحث العلمي في المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى التسابق نحو التقدم واكتساب الخبرة وامتلاك التكنولوجيا. وتزامنت هذه المرحلة مع التوصل إلى أن الجسم لا يخزن البروتينات أو النايتروجين، بينما يمكن أن يخزن السكريات والدهون. واستنتج العلماء أن الجسم إذا لم يزود بالبروتينات الخارجية فسوف يهلك، أو يصاب بمرض الكواشيوركور الذي يسببه نقص حاد في البروتين. وبدأت الحملات الإعلامية والاستراتيجية والاقتصادية لإنتاج اللحوم والحليب، أو الحصول على البروتين بأي ثمن. وأصبح مؤشر البروتينات هو الذي يحدد تقدم البلدان، وضيعت الشعوب كثيرا من المنتوجات الزراعية، بغية تعويضها باللحوم أو البروتينات الحيوانية. ولجأ العلماء إلى إدخال سياسة البروتينات إلى البرامج الاقتصادية، من حيث أشاروا بعدم استهلاك الشعير والذرة وإعطائها للماشية لتتحول إلى لحوم. وهذا الطرح هو الذي أدى إلى الكارثة، لأن الاستغناء عن الحبوب، وعن كثير من النشويات، جعل الأمراض المزمنة المستعصية تتكاثر وتتفاقم بشكل مخيف. وقد لاحظ الباحثون علاقة استهلاك اللحوم بالأمراض المزمنة الحالية وهي وارتفاع الضغط والكوليستيرول والسمنة والحساسية والسرطانات والقصور الكلوي وأمراض الجهاز الهضمي، مثل مرض كروهن والقولون العصبي.

تنبه الباحثون في الميدان الطبي في الدول الغربية إلى هذا الوضع، بعدما لاحظوا أن هناك مصدرا لكل هذه الأمراض، فبدأ البحث العلمي يعود بالإنسان إلى الصواب، لكن ربما يكون من المستحيل الآن، فالتغيير الذي طرأ على كل المنتجات لا يمكن أن يصحح، وكان أشهر النتائج التي نشرت، هو الرجوع إلى الألياف الغذائية الموجودة في النبات (الحبوب والفواكه والخضر)، وتقليل المواد الحيوانية والدسم، مثل الأجبان والزبدة، وقد أصبح الأمر ملحا جدا حيث وصلت النصائح الطبية إلى تناول النخالة والبرسيم الحجازي (الفصة).

ورغم هذا الوضع المزري، فقد بقي الناس على استهلاك اللحوم، وبقي الأطباء في بلداننا يتخوفون من البروتينات، ويحتون الناس على استهلاك اللحوم، وقد ترسخ لديهم أن الجسم لا يمكن أن يستغني عن البروتينات، وإلا فالهلاك. وبما أن علم التغذية كان يتعذر على كلية الطب، فإن الجهل أدى إلى ما لا تحمد عقباه. وأخذت تظهر بعض النصائح الخاطئة، مثل النصح بعدم تناول الشاي بعد الأكل، وعدم الطهي بزيت الزيتون، وإرغام الصناع على إضافة زيت المائدة إلى زيت الزيتون، واستهلاك الإسبانخ لأنه غني بالحديد، وتناول اليوغورت بعد تناول الدواء، والجزر لأصحاب الإسهالات، وتناول عصير الطماطم، وعدم تناول لحوم الغنم واستبدالها بالماعز، وعدم تناول الدجاج البري لأنه عفن، وكل هذه النصائح كاذبة، ولا أساس لها في علم التغذية، وأكثر من ذلك فعكسها هو الصحيح.

والعلاج كان يقتصر على الوصف الطبي للأدوية، فالأمراض من ذي قبل كانت جرثومية مثل التايفويد والسل والتهاب اللوزتين والتقرحات الجلدية والتقيحات والزهري والسيلان والديسانتيريا والالتهابات الخ… فكل هذه الأمراض ينفع معها المضاد الحيوي. لكن الأمراض الحديثة هي أمراض غذائية، لا ينفع معها الدواء ولا يزيدها إلى تعقيدا. فارتفاع الضغط والسمنة والكوليستيرول والسرطان وأمراض القلب والشرايين ومرض سيلياك والسكري وآلام المفاصل والأنيميا الخ.. فهذه الأمراض لا يفيد فيها الدواء الكيماوي، لأنها ليست أمراض تعفنية. وقد يكون العلاج أبسط مما يتصوره الطب الحديث، إذا علمنا سبب أو مصدر الخلل، وما يرتبط به من تدمرات داخلية، لأن ارتفاع الضغط قد يصيب بعضا من الأعضاء، مثل الكلية والقلب والدماغ، والاعتقاد بأن هذه الأمراض يمكن علاجها بالعقاقير الكيماوية هو أمر فيه نظر، أما أن تعالج الأمراض المزمنة الناتجة عن الأغذية، ومن ضمنها كثرة استهلاك اللحوم، بدون اتباع حمية دقيقة وبسيطة ومدققة فليس من الممكن. والغرابة في الأمر أن الناس اعتادوا تناول الأدوية وهذه الأمراض ليست لها أدوية.

والرجوع إلى النظام الغذائي السليم أصبح الحل الوحيد لتفادي هذه الويلات الصحية، وهذا النظام يعتمد على الأغذية الاعتيادية التي يتناولها الشخص يوميا بدون أي ضرر، وهي الحبوب والفواكه بالدرجة الأولى وزيت الزيتون مع الخضر بالدرجة الثانية، ثم الألبان وتبقى اللحوم فقط للمناسبات والضيافة والاحتفالات والولائم، ولا بأس أن يتناولها الشخص مرة في الأسبوع. وهناك نظام غذائي خاص بالأطفال يشمل الألبان والحبوب في الأعمار الأولى من سنتين إلى اثنى عشر. قد يستغرب بعض الباحثين من هذا النظام لأنه أول نظام يعفي اللحوم. وربما لا يلقى القبول بزعم أن ليس فيه بروتينات، وهو خطأ كذلك لأن البروتينات لا تقتصر على اللحوم والحليب، بل هناك بروتينات نباتية تفوق البروتينات الحيوانية، وهي بروتينات الحبوب والبقول والفواكه الجافة.

الأسباب الرئيسية لظهور الاختلالات الصحية الناتجة عن التغذية

مما لا شك فيه أن نمط العيش في الدول الغربية أو الدول المصنعة، تغير بشكل ملفت للنظر، من حيث نلاحظ أن الإنسان انتقل من التغذية الطبيعية إلى التغذية الصناعية، أو من تغذية المطبخ إلى تغذية المصنع، وأن هذا الانتقال جعل الإنسان لا يختار ما يأكل من السوق، وإنما يختار ما يشتري مرغما بعدم توفر ما يريده مثل المنتوج المحلي، وكذلك السيطرة الصناعية التي حولت المواد الطرية إلى مواد مصبرة بزعم المراقبة والشروط الصحية، وبزعم التقدم العلمي في الميدان الغذائي.

وقد انعكس هذا الوضع على الدول النامية، من حيث أخذت تحدو حدو الدول المصنعة، وساعد على ذلك الوازع الإعلامي والإشهاري، الذي يتغذى من الإعلام الغربي، وأصبح كل الناس يتبعون الموضة الغذائية بدل العادة الغذائية، وهو ما حطم الثقافة الغذائية في المغرب، وحلت الأغذية الأجنبية المصنعة محل الأغذية المحلية الطبيعية. ولم يكن هناك من يتصدى لهذا الوضع الخطير، لأنه كان باسم العلم والطب وأن المواد الحديثة راقية، والمواد المحلية التقليدية عفنة، فضربنا أنفسنا بأنفسنا. وما نعيشه اليوم من ويلات صحية ليس إلا التحول من التغذية الطبيعية إلى التغذية المصنعة.

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *