Home الاعجاز الأمن الغذائي
الأمن الغذائي

الأمن الغذائي

0
1

الأمن الغذائي بين التقدير العلمي والتدقيق القرآني

 

مع ظهور الثورة العلمية ومع تحرر العلماء صار البحث العلمي نحو التقدم. وبدأ الغرور ينتاب الإنسانومع تيسير أسباب الحياة انخرط الناس في نمط جديد من الحياة التي سميت باللادينية أو اللائكية وابتعدواعن الدين، ومع ترك العقيدة ونهج اللادينية أصبحت المادية والشهواتية هي السائدة، ومع اتباع أو تبنيالمذهب المادي، تنكر الناس للعقيدة ،بل أكثر من ذلك أصبح الهجوم عليها ونعتها بالتخلف، وليست العقيدةبوجه عام وإنما العقيدة الإسلامية على الخصوص. ورغم هذا التقدم التكنولوجي كما أشرنا لذلك،والرفاهية التي أصبح الناس يعيشون فيها، والبدخ وما إلى ذلك من كل احتياجات الناس الشهواتية لمتكتمل سعادتهم، بل زاد شقاؤهم وكثرت تعاستهم. وظل الإنسان يبحث عن حقيقته وهويته وكنهه، ولم يجدشيئا يملأ هذا الفراغ الحاصل من جراء التجرد من العقيدة. وكل هذه الأشياء ضاعت في خضم التقدمالعلمي والتطور التكنولوجي، وليست الحضارة كما يزعم الناس لأن التقدم الذي لا يضمن السعادة لا يمكنأن نسميه حضارة.

و نرى في عصر العلم ،والتقدم التكنولوجي، أن الإنسان لا يزال تائها جاهلا بما يجب معرفته قبل تطبيقه،وقد نال المد الصليبي أثناء غزوه للبلاد الإسلامية من فكرنا وهويتنا وعقيدتنا، وتمكن من فرض سيطرتهالتعليمية والإعلامية على هذه الشعوب، لمسخ لغتها وهويتها الإسلامية الطاهرة. وهكذا نجد أن الذينذهبوا إلى الغرب )أوروبا وأمريكا (بدون عقيدة صحيحة لا يرجعون إلى بلدانهم، وإن رجعوا فببذلة الغرب الفكرية ، لأنهم تأثروا بدون أن يشعروا، وهذا الصعق الفكري الذي يتعرض له الذين يتعلمون في الدول الغربية لا يمكن أن ينال من الذين يتسلحون بالعقيدة، والبقاء في البلدان الغربية لهؤلاء أو العودة إليها يصبح حلما، لأن المحيط الذي سيعملون فيه في بلدانهم ليس هو الذي تعلموا فيه، ويساعد فراغهمالروحي على تبعيتهم وتخديرهم. والغريب في الأمر أن هذا النمط أصبح شائعا وكثيرا، وأصبح يشغلالمناصب الهامة، ويشرف على اتخاذ القرار في كثير من البلدان العربية. وكثير من الذين تعرضوا لهذا الصعق الفكري، تربت لديهم الجرأة النكراء على الله سبحانه وتعالى. وترسخ لديهم جهل فيما بعد نظرا لانقطاعهم عن البحث العلمي والمناظرات العلمية التي تقل في البلدان العربية. وهذا الوضع يتبعه جهل لدى هذه الفئة ثم بعد هذا الجهل تتربى لديهم عقدة عميقة وخطيرة تقودهم إلى كراهية حضارتهم والتنكر لها وضربها، وجل من يرى أن الإسلام غير قادر على مسايرة ومواكبة العصر من هذه الفئة. وبما أن هذه الفئة لا تعتنق أية ديانة فهي تسقط تلقائيا في أحضان القومية، وتصبح هذه الديانة الجديدة التي ليس لها نبي ولا رسول تستقطب كثيرا من أصحاب الشواهد العليا، والقومية لا تنبني على أسس وإنما على أوهام. فالقومية تتوهم أن ليس للإسلام نظام اقتصادي معين يمكن اتباعه، والحقيقة هي أن البرامج الاقتصادية الحالية الموضوعة بعلم البشر كلها خاطئة، ولا تقدر على تدبير الشأن الاقتصادي، وليس هناك من لا يعترف بهذا العجز، ومع ذلك لا يقبل الرجوع إلى الاقتصاد الإسلامي بعدما أصبح الحل الوحيد. فالبرامج التي تجعل الحياة مستحيلة بدون قروض ليست برامج بل عار على الأمة. ومع ذلك فأساتذة الكليات لا يزالون يؤطرون لهذا الطرح المتخلف. 

والخطأ الحاصل الآن في تدبير الاقتصاد في البلدان العربية خصوصا، هو بسبب تطبيق تقنيات علمانية على مجتمع مسلم. ونرى أن أي تدبير بدون الرجوع إلى النظام الإسلامي لن يكون ناجحا، وكل الدول الإسلامية غنية، ولديها ما يكفيها ويزيد على حاجتها، لكنها الآن تتخبط في مشاكل اقتصادية أكثر من الدول المصنعة. ولكي يكون لنا نظام نتبعه يجب أن نرجع إلى الذي خلق الكون والإنسان، ووضع أنظمة وليس نظاما واحدا. وهذه الأنظمة تعتمد على روح الإيمان والتعايش والإخاء، وتخلو من الحقد والحسد والاعتلاء، وتمنع الظلم والحرام، وتقطع السرقة والاستبداد، وترتكز على العدل في الوقائع، والمساواة بين الأجناس. وهذه الأنظمة لا يمكن أن تطبق في مجتمع لا ديني، لأنها تعتمد على الإيمان، والذي وضع الكون ودقق في خلقه وتنظيمه يعلم النظام الذي يصلح له، ونظم كل شيء، بل ليس على البشر أن يضع نظاما، وإنما عليه أن يعرف كيف ينظم نفسه ليعمل بما أنزل له الخالق فقط. ولذلك يجب أن نفرق بين عالم يمشي وفق الهوى، وعالم يمشي وفق العلم، والله سبحانه وتعالى كرم البشر وفضله على كل ما خلق، ولنرى ماذا يقول صاحب الكون في كتابه العزيز في سورة الإسراء: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحرورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا70 ، لو كان لك حيوان في منزلك، لكنتتفكر في أكله ومسكنه وراحته بالليل والنهار قبل نفسك، فكيف بالذي خلق الإنسان؟ فهل يخلقه ولا يرزقه؟ومن هذا الطرح يظهر منطق الأمن الغذائي.

 معطيات حول المحيط

إن النظريات العلمية القائمة حاليا تجمع على أن المجموعات النجمية ومنها المجموعة الشمسية، التيتضم الشمس وتوابعها من الكواكب كالأرض والقمر، كانت سديما، ثم انفصلت أو فتقت وأخذت أشكالالكواكب، التي نعلمها الآن بشكلها الكروي المعهود. وإذا صحت هذه النظريات فإن الأرض والسماواتوباقي المجموعة الشمسية، كانت قطعة واحدة فتفرقت. وتظل هذه الاحتمالات العلمية قيد الصواب والخطأعلى حد سواء، لأن إدراك الإنسان لا يصل مكانا ولا زمانا إلى الحقيقة العلمية عبر التجربة أو الكشف.فمكانا لأن الكون لا متناهي، ولا يمكن أن نراقبه من الأرض التي هي نقطة في هذا الكون، وزمانا لأننا لايمكن أن نفسر الآن ما حدث منذ ملايين السنين.

ولهذا فمنطقيا وعلميا إذا كانت الأرض انفصلت عن السماء داخل المجموعة الشمسية، فإن حرارتها كانتتقدر ب 12000 درجة فارنايت على حد زعم بعض الموسوعات العلمية. وهذه الحرارة المفرطة لا تسمحبوجود مواد عضوية، ولا بوجود أي شكل من الأشكال الكيماوية، ماعدا الغازات أو العناصر الكيماويةالحرة. وإذا كانت المواد العضوية يستحيل وجودها تحت هذه الحرارة فلا يمكن أن نتكلم عن الحياة.

إن الأرض لما فتقت كانت مشتعلة، ولكي تكون عليها حياة كان يجب عليها أن تبرد أولا، ثم تلعب عمليةالمياه على سطحها دور مصدر الحياة، أو وجود كل الأحياء التي نعلمها الآن. ونعلم أن عملية التبريدترتبط بالخصائص االفزيائية للسائل المبرد، ذلك أن الهواء لا يبرد بسرعة بالمقارنة مع الماء، لأنه لايمتص الحرارة أما الماء فيمتص الحرارة بقوة ويبرد الأشياء الساخنة أو المشتعلة بسرعة. ونعلم  كذلكمن الناحية الكيماوية أن الماء يمثل جزيئة تتكون من ذرتي هايدروجين مرتبطتين مع ذرة أوكسايجن،وتتحد ذرتي الهايدروجن مع ذرة الأوكسايجن تحت درجة حرارية تفوق 3618 درجة فارنايت، وكل هذهالشروط كانت متوفرة ليتكون الماء في الفضاء، لأن كل العناصر كانت على شكل غازات، وكانت موجودةبكثرة، فاتحدت ذرات الهايدروجين مع ذرات الأوكسايجن فتكون الماء بكثرة وبكمية هائلة، حيث نشأتالمحيطات الفضائية، لتبرد الأرض إلى حد يسمح بوجود الماء السائل على سطحها، فتستقر آنذاكالمحيطات كما نعهدها الآن.

بعد هذا حدث حسب الوصف العلمي أن أخذت الأرض تبرد تدريجيا، حيث استغرقت العملية مليارين منالسنين، وقد قدر العلماء هذه المدة بطريقة التحليل الإشعاعي للعناصر المشعة لدراسة تاريخ أو عمرالأرض، ثم بعدما بردت الأرض، انخفضت الحرارة إلى مستوى يسمح بوجود المواد العضوية أو الحية.ولكي تبرد الأرض وتتشقق الصخور وهي من الغرانيت والبزالت الخ، لتصبح تربة قابلة وصالحة للنبات،كان لابد من نزول الماء على صطحها ليعمل مع الهواء على تحويل الصخور إلى تربة بتفتيتها والتسربمن خلالها. ولم تظهر الحياة بعد على الأرض إلا بعد نزول الماء وجريان التفاعلات الكيماوية القاضيةبتحول بعض المركبات الكيماوية المعدنية، لأن المادة العضوية لم تكن خلقت بعد، وحيت تهيأ الوسط وتعدلالجو وتوفر الماء على سطح الأرض، ظهر ما عبر عنه العلماء بالحياة المائية، وذهب بعض العلماء إلىتطابق هذا الطرح مع ما جاء في القرآن بخصوص الماء، لقوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي. إلاأن هذا التفسير يضل ضيقا ومحدودا بالنسبة لما جاءت به الآية الكريمة، التي تخص الحياة بجميعأشكالها، وهو ما يسمو بكثير عن التفسير العلمي البحث.

ونعود إلى الوصف القرآني لنرى الحقيقة من الذي خلق هذا الكون، وهو أعلم بخلقه من البشر، وأغلب ماجاءت به العلوم حول تكون الأرض، ما هو إلا تصور محدود لعقل محدود، ولا يغني التصور من الحق شيئا، بل يمكن أن نستقي الحقيقة من القرآن لنفهم بعلم ويقين.

وفيما يخص تقدير وحساب القوت على الأرض فإن الله سبحانه وتعالى تكفل بذلك ولا يمكن أن نتصور أن العالم مخلوق عفوا أو صدفة أو بهوى. ولذلك لا يعقل ولا يجوز أن نقيس أشياء لا نتحكم فيها بمقياس بشري محدود. وهناك طروحات كثيرة تتكرر وتتردد كل يوم وكل سنة، وفي جميع المحافل الدولية، وفي كل المنتديات الفكرية، وتزعم هذه الطروحات كلها بأن الأرض لن تكفي البشر إذا بقي النمو على ما هو عليه، ونعتبر هذه الطروحات رعبا فكريا وسياسيا لا يرتكز على أساس علمي، ويجب أن تصحح هذه الخزعبلات أو يتحمل أصحابها المسؤولية التاريخية. لقد بدأ تأطير مشكل ما يسمى بالانفجار الدمغرافي مع طوماس روابرت مالتيوس  Thomas Robert Maltheus والذي كان قديسا يعمل في مصلحة شركة الهند الشرقية  الأنجليزية British East India Campany   1766 – 1834 وقد عرض مالتيوس المسألة من خلال كتابه تجارب على السكان وهو كتاب لم يعرف انتشارا في الأسواق The essay on population والذي صدر في 17988 أن زيادة السكان ستتجاوز كمية الأغذية التي يمكن أن تنتجها الأرض. وفي نظر مالتيوس فإن السكان يزدادون حسب متتالية هندسية بينما يتزايد القوت حسب متتالية جبرية. وبهذا لن يكفي القوت البشر بعد جيلين فقط، وهو ما عبر عنه بالمشكل السكاني. وطبعا فإن هذه النظرية التي أخذها الناس وكأنها نزلت من السماء نظرية خاطئة رياضيا ومن جميع النواحي، وعلى الباحثين المسلمين أن لا ينزلقوا مع مثل هذه الأكاذيب. وكل النظريات البشرية تظل ناقصة وخاطئة لكنها تستقطب كثيرا من الجهلاء، وعلى نفس النمط استهوت نظرية الداروينية كثيرا من الناس، ولا تزال تستهوي كثيرا من الناس. وهناك بعض الحقائق العلمية التي لا يمكن أن ينكرها أحد، وإذا تصفحنا المعطيات الرسمية والمنشورة، نجد أن تزايد السكان في تراجع واضح، فسكان افريقيا حاليا هم أقل عددا من ذي قبل، والإحصائيات تبين أن عدد سكان العالم تضاعف من 1950 إلى 2000 بينما ازداد الإنتاج بثلاثة أضعاف في نفس الفترة. ولا تزال التقنيات تحسن من الإنتاج، من حيث أن الإسقاطات الإحصائيات تبين، أن الإنتاج الحالي يمكن أن يطعم 10 بليون من السكان، وهو ضعف سكان الأرض حاليا، ولن يصل العدد إلى 10 بليون نسمة، لأن ظهور الأمراض في سن مبكر نتيجة التحول الاجتماعي مع انخفاض في نسبة الولادات، قد يخفض معدل النمو إلى حد خطير ربما يصل إلى أعداد سلبية، بمعنى أن العنصر البشري سينقرض. وهذه الأشياء ليست في حسبان الذين لا يحللون الموضوع من الناحية الاجتماعية. وهناك تقديرات أخرى تبين أن الكون يتسع لثلاثة وثلاثين بليون نسمة، وهو عدد خيالي بالمقارنة مع كل التداعيات والمزاعم التي تحاول إرهاب  الناس إرهابا فكريا كما تقدم.

 ولنرى التقدير الصحيح الذي يجب أن نتشبت به، إذا كنا نؤمن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وهو الطرح الذي لا يمكن أن نناقشه لأنه من صاحب الكون، ومن الذي قدر كل  شيء تقديرا صحيحا مدققا. يقول تعالى في سورة فصلت: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك ربالعالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ونرىعلى عكس ما يرى دوي التقدير العلمي المحض في الميدان الاقتصادي، أن الأرض جد كافية وتتسع لكلخلق الله مطلقا، ولو أن الدراسات الدمغرافية تحاول أن توسوس للناس أن تكاثر السكان سوف يؤدي إلىعدم الاكتفاء الغذائي، وهو شيء يتنافى مع الآية الكريمة التي تخبر أن تقدير القوت لكل الخلائق، قد تمقبل خلق الإنسان، ولا يمكن أن نخطئ الفهم بأن الله قدر في الأرض أقواتها وبارك فيها.

ونتبع السياق القرآني لبيان الأحداث، وكيف وصف الله خلق هذا الكون، الذي جعله يمشي طبقا للناموسالذي رسمه له، وأراده أن يمشي عليه. إننا أمام أمر لا يمكن أن ندركه بالعلوم الحسية التي هي علومجزئية، وهذا الأمر لا يستطيع عقل الإنسان أن يدركه لتباعده ولضخامته ولتعقيده وشموليته، وهذه الآياتفيها خطاب كبير وعميق حقا، يجعل كل أصناف الناس تقف في حيرة كبيرة تجاه الوصف الإلهي، لكن هناكالعالم الذي يحس بالحقيقة، والمؤمن الذي يسلم بالحقيقة، وبعد هذا المدخل نرجع إلى الرحمة القرآنية.

تبدأ الآية بالاستفهام بهمزتين وهو استفهام للتوبيخ والاستنكار لأمر يقره المخاطب، وهو كفرهم بالذيخلق الأرض، ومن يقدر على هذا الخلق غير الله. وعطف في نفس الجملة تجعلون له أندادا على تكفرون،وهو الأمر الذي يتجانس مع الكفر، فجاء التوكيد باللام لتكفرون بالذي خلق الأرض، وعطف على تجعلونله أندادا أي الشركاء لله، وكون الله ينفرد بفعل الخلق، فلا يمكن أن يكون له شركاء أو أمثال، ولذلك أشار الله في الآية بذلك ذلك رب العالمين للتعظيم والتفخيم، وليس خلق الأرض بالسهل، أو بالأمر الذي يمكنتصوره. تم خلق الأرض في يومين، وهذا التقدير الزمني لا يمكن أن يقاس بالأيام التي نعلم، وهي 24ساعة زمنية بوقت الأرض، وإنما يومين من أيام الله، لأن الأيام التي نعد بها تقاس نسبيا على دورة كاملةللأرض حول نفسها. وحسب طول قطر الأرض والسرعة التي تدور بها، فإن اليوم يبقى 24 ساعة، لكنهذا التقدير ليس هو التقدير لليومين الذين خلق فيهما الله الأرض، لأن القياس الزمني لا يمكن أن يكونعلى شيء لم يخلق بعد، وربما تكون أيام تم قياسها على كواكب أخرى، لأن لكل كوكب توقيت، إذا كان يبدأمن ظهور الشمس إلى غروبها، وهي غير أيام الأرض، وهي أقصر من أيام الأرض إذا كان قطر الكوكبأصغر من قطر الأرض، وأطول من أيام الأرض إذا كان القطر أطول من قطر الأرض، ويأتي السياقالقرآني ليخبرنا كيف هيأ الله هذه الأرض من دون الكواكب لتكون فيها الحياة، فالآية الموالية تبدأ بفعلجعل، وليس خلق لأن فعل خلق يبين ظهور الشيء وإيجاده ماديا وحسيا، أما جعل فتعني خلق وتهيئالشيء وتوظيفه لما ينتظره من عمل، وبدأ الحق سبحانه هذا التهيئ بجعل الرواسي، ليثبت الأرض ويحفظلها التوازن والدوران بنظام مدقق في مدارها، وهذه الرواسي جعلت من فوق، لأن الأرض كروية الشكل،وليست مسطحة ليكون لها فوق وتحت، والشكل الكروي ليس له تحت، وإنما له داخل وخارج، وكونالأرض تدور في الفضاء، فإن الرواسي كيفما وضعت تكون من فوق، لأنها لو وضعت من تحت تكونبالداخل. ونعود إلى الوصف القرآني لنعطي للكلمة القرآنية حجمها، لأنها ليست أي كلمة، وإنما كلمة اللهالتي لها دلالات متعددة، يقول سبحانه وتعالى :وجعل فيها رواسي من فوقها. لقد بين الله الكيفية التيجعلت بها الرواسي بحرف الجر « فيها » وبظرف المكان « فوقها » وهذا الوصف فيه دقة كبيرة لأن التعبيرالإلهي لم يتوقف على جعل الرواسي، وإنما بين كيف جعلت، والرواسي لا تكون إلا للأشياء الغير الثابتة أوالمحتملة للحركة والانقلاب، ويعبر بفعل رسا على الهدوء والاستقرار والثبات، وطبعا فإن إرساء وتثبيتشيء يستعمل دائما خاصية التوازن، ويتبع هذا الحدث قانون الثقل النوعي والجاذبية، ولذلك نضع أشياءثقيلة لنثبت الأشياء الخفيفة، لأن الثقل يزداد ويجعل قوة الجاذبية كبيرة فيستقر الشيء ويثبت، والرواسيفي هذه الآية هي الجبال، وهذه الجبال تثبت الأرض لكي لا تفقد توازنها، ويستمر دورانها بنظام، ويبقىالتوقيت مستقرا وثابتا. والرواسي التي ثبت بها الله الأرض، جعلها تدخل في الأرض إلى عمق كبير أوصغير، حسب سطح الأرض وباطنها، وحسب بعدها من المنطقة المائية أو البرية، فهي جعلت في الأرضأي نابتة، ومن فوق الأرض أي ليست بنافدة إلى وسط الأرض، وإنما تبقى خارجة من الأرض كما نراها، وقد علل الله كذلك هذا الخلق في سورة النبأ بقوله تعالى والجبال أوتادا فالجبل يظهر في الرسم البيانيكالوتد، من حيث يكون له جدر يدخل في الأرض، ورأس يبقى شامخا في السماء.    بعد تثبيت الأرض، تمتقدير القوت كما جاء في الآية « وقدر فيها أقواتها » والأقوات هنا تعني كل ما تحتاجه الكائنات الحيةلضمان الحياة على الأرض من هواء وماء وأكل، وكل العناصر التي تدخل في الدورة الطبيعية للحياة بصفةعامة، وكل مادة يقتات عليها كائن حي من نبات وحيوان وأجسام حية دقيقة، وتم ذلك في يومين لتكتملأربعة أيام، كما جاء في الآية الكريمة « في أربعة أيام سواء للسائلين  وسواء تعني أن خلق الأرضوتهييئها تم في نفس الفترة الزمنية، وهي يومين لكل مرحلة، وبعد هذا الخلق والتهيء تم خلق السماء.

وهناك  لمسة روحية في هذه الآية وهي ذكر البركة قبل التقدير « وبارك فيها وقدر فيها أقواتها » وربماتكون البركة أهم بكثير من التقدير، لأن هناك جانب مادي محض، وهو تقدير كل ما يحتاج إليه الكائن الحيعلى الأرض لتستمر الحياة، وهناك جانب روحي غيبي وهو البركة، والتي بها يمكن أن تبقى الأرض كافيةلكل من يعيش عليها، ويتجلى هذا في زيادة الإنتاج كلما زادت الكائنات الحية، وعلماء الزراعة أعلم بهذاالأمر، إذ تنتقل المردودية في بعض الأحيان من بضع قناطر في الهكتار إلى 120 قنطارا في الهكتار، ومنيدري فربما تزداد المردودية.

 العنصر البشري  والنمو الدمغرافي

 لما يتكلم أي شخص عن النمو الدمغرافي، لا بد أن يحذر من كثرة السكان والنمو المتزايد للسكان، ولا بد أن يتكلم بالأسود عن النمو الدمغرافي، والغريب في الأمر أن البلدان العربية التي من المفروض أن تنكر هذا الطرح، وأن تبين الحقيقة للناس نجدها تتكلم بنفس المفهوم، وتنزلق وراء تداعيات التهديد بالمجاعة إذا بقي النمو الدمغرافي على حاله. والحقيقة أن النمو الدمغرافي ينقص بشكل ملفت للنظر، حتى أن بعض الدول أصبحت تشجع على الولادات والزواج من الأجانب، بدل الدعوة إلى تحديد النسل، أو بلغة الحضارة تنظيم النسل. ويظهر هذا الوضع جليا في دول المعسكر الشرقي بلغاريا ورومانيا وهنغاريا وروسيا البيضاء، وقد انحدر النمو الدمغرافي إلى الصفر، وانحدر معدل النمو بأفريقيا كذلك بشكل ملحوظ. ولا نظن أن العالم سيبقى في نمو كما قد يتصور الكثير من الناس، وإنما العكس هو الصحيح، فالعقم في الرجال والنساء سيزداد إلى أن يصل إلى الحد المفزع، ونهاية العالم لن تكون بالمجاعة لكنها ستكون بعدم القدرة على الإنجاب عند الرجال والنساء على حد سواء، أو ما يسمى في علم الأحياء بالإنقراض، ولن ينفع آنذاك العلم ولو عن طريق الاستنساخ. ولننظر ما جاء في كتاب الله العزيز الحكيم بشأن التخوف من النمو الدمغرافي. يقول تعالى في سورة الأنعام. قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدينإحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. تبين هذه الآية الحد الذي يمكن أنيؤدي إليه الجوع، ويتجلى في القتل الذي يعتبر من أعظم جرائم البشر عند الله سبحانه وتعالى، فليس هناكأشد من القتل ظلما، ويجب أن نقترب من الآية، لنجد أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن قتل من نوع خاص،ليس من السهل على الإنسان أن يرتكبه، إلا أن يكون كافرا ظالما ضالا مجرما، لأن قتل القريب وهو الولدليس من الهين. لكن الجوع يجعل الإنسان لا يفكر في أحد، ولو كان ولده، فيسهل القتل حينئذ، ولا يقتصرهذا النوع من القتل على فترة من الزمن، بل يمكن أن يقع في أي عصر، ولو أن كتب التفسير تطالعنا بأنهذا القتل كان شائعا في الجاهلية، والذي أرجعه أصحاب التفسير إلى الوأد، إلا أن الوأد لا يكون بسببالجوع، وإنما يكون خوفا من العار كما كان يزعم، وليس قتل الجاهلية هو الذي يهمنا وإنما القتل الذي يقعفي كل حين وكل عصر، ومجيء الخطاب الرباني نهيا بالأمر فهو يهم شيئا لم ينقرض بعد، وإنما لازالساريا ويحتمل وقوعه في أي زمان وفي أي مكان.

 إن أهم ما يمكن أن ننتبه إليه هو سبب هذا القتل الذي يتمثل في الجوع، وفي الآية الكريمة يعبر الجليل جلجلاله بالإملاق، وليس الجوع وهناك تعابير دقيقة تأتي لوصف مشهد دقيق، لأن من جملة التعابير عنالحاجة الماسة والفاقة، نجد المخمصة والجوع والعيلة والخصاصة وما إلى ذلك، لكن التعبير بالإملاق يرادبه أكثر من ذلك، لأن جسامة الذنب، يجب أن يكون لها دافع قوي ومميز عن جميع أشكال الضلال، ولا بدأن هناك شيء قوي يستلزم حكمة التعبير بهذه الكلمة، ولم نجد مبررا في كل التفاسير التي جاءت في كتبالتفسير، إلا الاتفاق على أن الإملاق هو الفقر، ولو أن الكلمة معروفة بهذا المعنى السطحي، فإننا ندعو إلىتعريف علمي يعطي للكلمة عظمتها، من حيث التدقيق في التعبير بها تماما كما أراد الجليل جل جلاله، ليسالفقر وحده الذي يقود إلى القتل، وإنما هناك دافع أقوى من الفقر، والذي يجب أن يكون أخلاقيا أو معنويا،لأن الحاجة العضوية تبقى ضعيفة بالنسبة للحاجة النفسية أو المعنوية. وللنظر إلى أول قتل وقع في تاريخ البشرية، وقد وقع لسبب معنوي وليس مادي، ذلك أن ابني آدم عليه السلام قربا قربانا، وتقبل من أحدهماولم يتقبل من الآخر، فكان الدافع معنويا وليس ماديا وكان بتلقائية سريعة في القرار، ولما أراد إخوةيوسف أن يقتلوه، كان الدافع معنويا كذلك ولم يكن ماديا، ولذلك لم نقتنع بالتفسير الذي جاء في الكتب،ولابد أن هناك شيء يريده الله سبحانه وتعالى من هذه الكلمة، لنتجنب بعض أنواع القتل التي ربما لا نشعربها، والتي قد نبررها، كما كانت تبرر في الجاهلية كما سنتطرق لذلك.

يقول الجليل جل جلاله في سورة الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهمكان خطأ كبيرا. فالتعبير في الآية الكريمة جاء بخشية إملاق بينما جاء في الآية السابقة بمن إملاق، والخشية من الشيء تكون قبل وقوعه، فالخشية في الآية الكريمة تعني أن الإملاق لم يحصل بعد، والخشية من الإملاق هنا تعني ضيق العيش من كثرة الأبناء، فهم لم يجوعوا بعد ولكن يخشون الجوع، ولذلكيقتلون الأولاد لينقصوا من العدد حتى يكفي ما لديهم لسد حاجتهم، والتعبير بالأولاد يعني الذكور والإيناث، ولما كان خوف الآباء من الإملاق هو الدافع الرئيسي للقتل سبق الله رزق الأبناء على رزق الآباء، فقالعز وجل: نحن نرزقهم وإياكم. أما التعبير الذي جاء في الآية السابقة، فإن الله سبحانه وتعالى استعمل فينفس الموضوع أداة أخرى، وهي حرف الجر- من-  بدل خشية، ليبقي المعنى اللغوي، وفي هذه الآية يقولسبحانه وتعالى ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم  فهنا يأتي التعبير بمن من إملاق عوض خشية إملاق، والتعبير بمن إملاق يجعل الجوع حاصلا، ولما لا يطيق الآباء هذا الإملاق فقد يلجؤون إلىقتل الأولاد، فقدم سبحانه رزق الآباء على الأبناء لكي لا يقتلوا الأبناء، وهكذا تظهر الحكمة الربانية فيالتعبير الدقيق، الذي يجب أن ننتبه إلى حروفه وكلماته لندرك الحقيقة جلية.

ولما ينهى العلي القدير عن القتل بالتوكيد، حيث يقول سبحانه إن قتلهم كان خطئا كبيرا، فهنا تأتي كلمةأخرى تقرب في اللفظ من كلمة معتادة وهي الخطأ، وهذه الكلمة نعهدها لكن ليس المعنى واحد، ولو أرادالله ذلك لعبر بهذه الكلمة. لكن مجيء الكلمة على تلك الحال فيها معنى زائد عن الكلمة المعتادة أي الخطأ بفتح الخاء. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الكلمة، وعرضوا كثيرا في اشتقاقها، دون توضيح الراجحمن المعاني، التي أدرجوها في تفسير هذه الكلمة. فلو كانت الكلمة مرادفة لكلمة خطأ بالفتح لجاءت فيالسورة على تلك الصورة، ونظن أن المعنى دون ذلك، وأن لها معنا يفوق الخطأ تماما كما هو الشأنبالنسبة لكلمة الإملاق.

لابد أن هناك أشياء تخص المجتمع وأخرى تخص الفرد، وليس من السهل أن يلجأ الفرد إلى قتل أولادهخشية الجوع، لكن كون هذا الفرد يوجد في مجتمع، وأن هذا المجتمع لم تعد فيه أرض الله واسعة ليهاجرالناس فيها، وإنما أصبح يضيق بأهله، فإن الأمور تصبح أعرافا من حياتهم اليومية، ولذلك فإن الإملاقيخص المجتمع أكثر ما يخص الفرد، والخطاب الإلهي إنما جاء للمجتمع بالخطاب العام، ولا تقتلوا أولادكم،وسنرى كيف يصبح القتل منظما  ومتداولا ومحبدا وبالطريقة التي نهى الله عنها.

وهذه الآية كما يظن بعض العلماء لا تخص عصرا معينا، ولا فترة زمنية في التاريخ، وإنما تخص وتحفظالمجتمع من السقوط في الخطأ على مر العصور، إن الآية الكريمة تخص كل العصور وتنهى عن القتل علىمر الزمان، وهذا ما يجعل القرآن غير مخلوق ليبقى حيا حقا. وربما أصبحت هذه الآية تخص العصرالحاضر أكثر من العصور الماضية، أو عصر الجاهلية الذي انقضى ومضى، ولم يعد يهمنا في شيء، لكنما ينفع الأمة هو الواقع المعاش حاليا، والبيئة التي يعيش فيها الإنسان حاضرا.

 وكما قلنا آنفا فإن قتل الأولاد لا يسهل على الفرد، وإنما يسهل على المجتمع، وهذه الآية تعني القتلالحالي الذي تعيشه البشرية دون أن تعي أنه قتل حقا. وأصبح الدافع لهذا القتل هو خشية الإملاق، لكنخشية الإملاق زينت ببعض الافتراءات التي جعلتها مقبولة ومتداولة خصوصا وأنها تأتي من البابالعلمي، وهذه العلوم أصبحت تستعمل لأغراض سياسية، وليس لأغراض بشرية. فلما نتكلم عن تحديدالنسل، لا يظن الناس أنه قتل الأولاد الذي جاء في القرآن، وإنما يؤخذ على أساس أنه حقيقة علمية طبيةتفيد المجتمع والفرد. ولما انتقد بعض العلماء هذا الشكل من القتل الذي نزلت فيه الآية الكريمة: ولا تقتلواأولادكم خشية إملاق، أضفيت إليه تحسينات لغوية فقط، فاستبدلت كلمة تحديد النسل بتنظيم الأسرة، وهذهالتسمية الأخيرة أكثر سما وأكثر خرقا وأكثر تضليلا، لأنها تتطرق إلى شيء يجعل الناس حقا يطبقون هذاالبرنامج الذي لا يجوز شرعا، ويكون الدافع والمبرر معا خشية الجوع والفاقة، وهو حق يراد به باطل.

ومما يزكي هذه الأقوال المزعومة، الخوف من أن يترك الناس ذرية ضعافا إذا ماتوا في سن مبكرة، ومايخطر على بال هؤلاء، أن هذه الذرية سوف لن تجد ما تأكل، أو أين تسكن، ولعل أن هذا الهاجس هو مايجعل الناس يضطربون لوفروا لذريتهم شيئا بعد مماتهم، وليس هناك من شغل شاغل إلا هذه الخشية علىالذرية، ويؤدي هذا في الأخير إلى جمع المال الحرام، أو إلى الخروج عن العقيدة، ويترتب عن هذا كلهفساد كبير، لأن ضعف العقيدة أو انعدامها يجعل الشخص يفلت من الضابط الشرعي، فيرتكب أتاما وجرائمفي حق المجتمع، وقهرا في حق الناس وما إلى ذلك، ولجسامة هذه الفتنة يسقط الشخص في حبال المادة،وربما لا يراعي شرع الله سبحانه وتعالى فتصبح السرقة متداولة، والحرام شائعا، والكسب الغير مشروع،ويتجاهل الناس شرع الله في الحرام والحلال، وربما يبحث الناس عن الفتاوى التي تبيح لهم بعضالمحرمات.

ولنرجع إلى الله العلي القدير لنرى ماذا يقول في شأن هذه الفتنة الكبيرة، وكيف يشدد الخطاب لننتبه إلىهذه الأشياء كما جاء في سورة النساء حيث يقول الجليل جل جلاله: وليخش الذين لو تركوا من خلفهمذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا. أوليس هذا هو الشائع في مجتمعنا الحاضر؟ أوليس هذا هو ما يقوله عامة الناس؟ أوليس من أجل هذا يتسارع الناس في البناء، وتأمين السكن للأطفالحسب زعمهم، وجمع الأموال لهم، وأصبحت المقولة شائعة. وهذا أمر عسير لأن فيه نسيان الله سبحانهوتعالى وهو القائل: ما قدروا الله حق قدره. لأن هذه الذرية ليست متروكة بعد موت الوالد للأم ولا للخالولا للجد، وإنما هي متروكة لله سبحانه وتعالى ومستودعة الله سبحانه وتعالى.

لما كان عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه على فراش الموت، جاءته ذريته لتوديعه، فدخلوا عليهوهم بضعة عشر طفلا، ويقال أنهم كانوا ستة عشر، فنظر إليهم وقال: والله إني لم أحرمكم من حق كانلكم، ولكن والله لا أعطيكم حقا هو ليس لكم فانصرفوا. هذا قول رجل كان يحكم الدنيا من حضرموت باليمن إلى أقصى شبه الجزيرة الإيبيرية، ولو أراد أن يترك لكل ولد قصورا عالية لفعل، وما أثر ذلك في بيت مال المسلمين، إلا كما تؤثر القطرة في البحر،  لكن هذا الرجل كان عارفا بشرع الله، ولا يمكن لمن يحفظ كتابالله بعلم، ويتتلمذ على رواة الحديث مثل سعيد ابن المسيب ثم يزيغ عن المحجة البيضاء. ليس من السهلأن يملك الإنسان الدنيا، ثم يلبس الصوف زهدا فيها، ولا يأكل إلا كما يأكل الضعيف من الأمة أو أقل، فرحمالله عمر ابن عبد العزيز النمودج الذي بين البرنامج الاقتصادي الإسلامي بحق، وقد فهم هذا الرجل الغايةالتي خلق من أجلها الإنسان، وهي العبادة والمآل الذي إليه سيؤول هذا الإنسان، وهو الموت وما بعدالموت من حساب. وفي عهد عمر ابن العزيز، جاء المسلمون بتفاح من بعيد كخراج إلى عاصمة المسلمين، وقد وضعوه في بيت مال المسلمين حتى يوزع على الناس، ولما رجع عمر ابن عبد العزيز إلى بيته المتواضع بين الناس، وليس إلى الفيلا الفاخرة، وجد أحد أولاده يأكل تفاح، فوثب عليه وقبض حنجرته حتى رمى التفاح من فمه، فخرجت زوجته وصاح من أين هذا التفاح ولم نوزع منه شيئا بعد، فقالت زوجته يا أمير المؤمنين، لقد كان معي درهم فأرسلت غلاما ليشتري للطفل تفاحا، فقال الحمد لله وترك الطفل يأكل تفاحته. هكذا يجب أن يكون من يستأمن على مال الناس، أما هؤلاء الذين ينتقدون الإسلام بالبرنامج الإقتصادي والاجتماعي فهذا هو البرنامج، برنامج الأمانة لكي لا تهرب أموال الشعوب إلى الخارج، فينتفع بها الأجانب ويجوع أصحابها. ولا يمكن أن يدرك الإنسان معنى هذه الأشياء، وربماتضحكه لكن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولو كانت الدنيا تستحق شيئا لنال منهاسيد البشرية شيئا، لكن لم يفكر ولم يوجه الناس إلى الدنيا. وإنما كان التوجيه دائما إلى الآخرة، والعملةالتي كان يتداول بها الناس في زمانه، كانت كلها عملة الآخرة، وهو أجر الله، وكل الأعمال لوجه الله.

الأمن الغذائي

لما يشبع الإنسان من الأكل والشرب، يطمئن ويمرح، لكن حالما يحس بالجوع يأخذ في التفكير في الأكل،وكيف يكسب، ويضل هكذا خائفا من الجوع ولو معه ما يكفيه لمدة قرن. وهذه سنة الحياة لا يأمن الإنسانمكرها، ولن يأمنها أحد، ولو كان له ما يكفيه إلى الأبد يضل يبحث عن المزيد. ونجد أن الأمن يقترنبوجود القوت والأكل والرزق والمتاع وما إلى ذلك، كما جاء في القرآن الكريم لقوله تعالى في سورةقريش: لإيلاف قريش إيلافيهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوعوآمنهم من خوف. وقد يصبح هذا الخوف غريزة عند الإنسان، بل عند كل الأحياء التي تقتات، ويتجلى ذلكفي الحركة الدائمة والجري وراء الكسب والجمع. وتؤدي هذه الحالة إلى ضيق الوقت، وإلى الفتنة،وتصبح الحياة نمطية إلى حد فقدان معناها كحياة. وقد تنعكس هذه الحالة سلبيا على المجتمع، فيكترالاحتكار والمضاربة، ويختل التوازن بين الدخل الفردي، لتصبح هناك فوارق اجتماعية شاسعة حيث يزدادالفقر، ويقع سوء التوزيع التلقائي. وكل هذه الأشياء معروفة في المجتمعات الغربية، ولا يختلف اثنان فيالقول بحدوث مثل هذه الاختلالات الاقتصادية، ولهذا عمد أصحاب القرار إلى الحل البشري، وهو فرضالضرائب والجبايات وجعلها ثقيلة، جدا من حيث لا يمكن للفرد أن يتوفر على أموال كثيرة. ومن هنا يتضحأن نظرية الدخل الفردي، كمؤشر اقتصادي قوي لقياس التنمية والانتاج، لا يعكس الحقيقة، نظرا لعدممعرفة أطراف الموازنة. إن هذا المؤشر قد يكون مرتفعا دون تنمية، وقد يكون مرتفعا ولا يفيد في شيء،لأن الفرد لا يصله هذا الحد الذي يبينه المؤشر. ونقيس على هذه التخمينات البشرية كل التوقعاتالاقتصادية التي لا تقدر تقديرا موضوعيا حقيقيا ملموسا، وبطريقة مباشرة وإنما تستنتج من عملياتحسابية، وبطرق غير مباشرة، وهذا ما يجعل كل الأرقام متفاوتة في التوقعات المالية والإنتاجية.

إن الإسلام لا يعترف بهذا الحل الضريبي، لأن المقومات التي يرتكز عليها ليست ثابتة وصائبة. والمنظورالإسلامي للأشياء يراعي للفرد حقه، وللمجتمع حقه، دون أخد غير مشروع ولا فرض أي نوع من القهرعلى الناس. ولما يكون الحق لله ويسلم عن طيب الخاطر ويصرف على مصالح المجتمع، فإن النظام الضريبي الحديث لا يرقى إلى هذا المستوى، ونلاحظ أن الناس يؤدون الضريبة مكرهين، كما كان في المجتمعات القديمة.    

 ونجد في آيات عديدة أن الأمن يأتي دائما مقرونا بوجود وتوفر الرزق كما قال تعالى في سورة البقرة: وإذقال ابراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفرفأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير. فهنا يأتي الأمن مقرونا بوجود الخيرات وتوفرالثمرات. ويقول تعالى كذلك في سورة القصص :أولم نمكن لهم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء .وهونفس الاقتران الذي جاء في سورة البقرة، وهو الأمن وتوفر القوت من كل الثمار، وهي الخيرات التي تأتيمباشرة من الطبيعة. ويقرن الله سبحانه وتعالى القوت بالمواد النباتية على الخصوص، لأنها هي الأصل فيالتغذية. وترتبط تغذية الإنسان والحيوان بالنبات، ونجد أن المواد النباتية جعلها الله للإنسان والحيوان علىحد سواء لقوله تعالى في سورة عبس:  فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرضشقا فأنتبنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم.

أما في وصف الجوع فيقرنه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالخوف كما جاء في سورة البقرة:ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذاأصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. وهذا الاقتران يبين كذلك اقتران الخوف بنقص الأموالوالثمرات، وهو عكس ما تكلمنا عنه بالنسبة للأمن. والمعنى الذي جاء في القرآن للأمن، يختلف تماما عنالمعنى الذي يأخذ به الإنسان في المجتمع المدني الحالي، على اختلاف اختصاصاته السياسية والاقتصاديةوالدمغرافية والغذائية وما إلى ذلك. فالقرآن يتكلم عن الأمن الغذائي كواقع موجود، وأنه مضمون للإنسانفي الأرض، وأن الذي خلق هذا الكون يعلم كل ما يحتاجه، وقادر على تدبيره ولا يمكن للتدبير الإلهي أنتصيبه أزمة سياسية أو اقتصادية، والخطاب الإلهي يكون شاملا بين البشر، ولا يخص جنسا دون جنس أوبلدا دون بلد، وهذا الخطاب ينبني على الأصل الذي هو العقيدة. والعقيدة هي المعاملة الوحيدة التي يمكنللبشر أن يعيش بها عيشة راضية عادلة طيبة، أما الأمن الذي يتكلم عنه بنو الإنسان، فيختلف تمامالاختلاف عن الأمن بالمعنى القرآني. ولذلك فهو غير موجود لأن الإنسان لا يقدر على تدبير نفسه، ولايحسن التدبير فهو مخلوق، والمخلوق غير منزه عن الخطأ. وقد يصل هذا الخطأ إلى الظلم الاجتماعيوالقهر والعبودية.

ويقول الجليل في سورة النحل:  وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكانفكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. وهو كما رأينا نفس السياق حيثيقرن الله سبحانه وتعالى الأمن بوفرة الخيرات والعيش الرغد، ويقرن الخوف بالجوع وقلة الثماروالخيرات. وما تبينه الآية الكريمة هو العلاقة التي تجعل لإنسان ينتقل من حياة الخيرات والنعم إلى الجوعوالذل، وهذه العلاقة هي الكفر بأنعم الله. وهذا الناموس لا يزال يجري على بني البشر على مر العصور.وإذا كنا نؤمن بأن الله الذي يجري الكون كيف يشاء، وهو الذي خلقه وقدر فيه أقواته، وهو الذي يرزق،فسوف يتيسر لنا الفهم أن الأرزاق موكلة لله سبحانه وتعالى. ونرى أن كثيرا من الناس يضلون طولحياتهم في السعي وراء الكسب لكن لا يصيبهم إلا ما كتب الله لهم. وآخرون لا يكدون كثيرا ولا يتعبون لكنأرزاقهم وافرة، وبنفس السياق نذهب إلى أصحاب المشاريع والمنتجين الكبار، وقد يصاب المشروعبالنجاح والكسب السهل والدخل المتجدد، كما قد يصاب بالكساد والإفلاس ولا يعمر طويلا. وهذا ما يدلعلى أن الأرزاق موكولة لله عز وجل، ويجب مراعاة الشرع في ذلك. لكن الذين لا حظ لهم من الإيمان،يرون أن المشروع خسر لأن المعطيات العلمية والظروف البيئية والاقتصادية، والإقبال على السلع وطريقةالتسويق والبيع والإشهار وما إلى ذلك، هي التي جعلت المشروع لا يمشي.

فالمعلوم أن هذا الكون لا يسير تلقاء نفسه، وإنما له خالق مدبر يسيره ويراقبه، وهو قادر عليه ويدققحركاته، كما أصبحنا نرى ذلك بسهولة في عصر العلم والتقدم التكنولوجي. ومنطقيا لا يمكن للخالق أنيخلق شيئا، ولا يعلم ما هو ولماذا خلقه. والمخترع إذ يبتكر آلة يكون ملما بكل ما من شأنه أن يصيبعملها. وخالق هذا الكون يعلم كنهه وخباياه، وقد قدره تقديرا دقيقا إلى حد لا يتصوره المرء، وإذا دققنا فيالموضوع نجد أن الأمن الغذائي ليس إلا شيئا بسيطا في خلق الله. وهذا التنظيم الكوني الذي يذهب منالذرة إلى حيث لا نهاية. لا يمكن للبشر أن يتحكم فيه ولا يمكن له أن يديره بعلمه المحدود. وإنما يجباتباع الشرع الإلهي والمنهاج الرباني، الذي وضعه الخالق لهذا الكون، وهو أعلم بما فيه، ولا يمكنللإنسان أن يضع شرعا لدوي جنسه مهما بلغت درجته من العلم. وقد مرت البشرية وتمر حاليا بالتجربةالنكراء والظلماء بسبب اتباع شرع ونظريات البشر.

يقول الجليل جل جلاله  وقدر فيها أقواتها يعني الأرض وهذا القول ليس قول علماء الاقتصاد وإنما هو قولالذي لا يخطأ التقدير، والذي يعلم ماذا خلق وكم خلق. ويقول كذلك  وفي السماء رزقكم وما توعدون. فهنانجد أن التقدير والتدبير والحساب الرياضي للكون، قد تم من لدن الذي خلق الكون سبحانه وتعالى، ولا يمكن لصاحب الكون، أن يخطأ الحساب. وليس قوت البشر لوحده الذي قدره الله بل كل الأقوات. وجعلالأحياء تقتات لحكمة يعلمها ولو شاء لجعلنا نمشي بالطاقة الشمسية، أو لجعلنا نحيى بدون قوت. ويقولسبحانه بشأن الأرزاق: وما من دابة على الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. ونحنفي العلوم الكونية نفرق بين الحيوان والنبات في التغذية، ولايحتاج الأول إلى مادة عضوية أو قوت، بليكتفي بالماء والطاقة الشمسية، وهو ما نسميه بالكائنات الذاتية التغذية (Autotroph)  ويحتاج الحيوان إلى مادة عضوية أو القوت، وهو ما نسميه بالكائنات الغير ذاتية التغذية. (Heterotroph)  والتعبيربالدابة في الآية الكريمة له من الإعجاز العلمي ما له، لأن الدابة تطلق على كل حي يتحرك، وهي الأحياءكلها ما دون النبات، لأنه حي لا يتحرك، والذى يفرق الله سبحانه وتعالى بين الحيوان والنبات بهذا التعبير.وهناك حلقة مغلقة ومحكمة تجعل الكون يمشي ككل بتناسق وميزان لا يختل. فالنبات هو الأصل فيالتغذية، وتتغذى الحيوانات والحشرات والمايكروبات على النبات، ثم تتغذى الحيوانات المفترسة علىالحيوانات العاشبة، وتتغذى المايكروبات والمتعضيات كذلك على الحيوانات الميتة، وهكذا ليتم الناموسالكوني بحكمة وتدقيق وميزان.

وإذا نظرنا إلى هذا النظام الدقيق الذي يمشي عليه الكون، وجدنا أن كل المخلوقات التي تدب على الأرضمسخرة للإنسان، بل خلقها الله سبحانه وتعالى للإنسان وفضله على هذه المخلوقات بالعقل. فما هي مهمتهفي هذا الكون، هل يسرح ويـأكل كما تأكل الحيوانات، أم هو مخلوق لشيء آخر. ولمعرفة المهمة والحكمةالتي خلق من أجلها الإنسان، يجب أن نسأل الذي خلقه وليس الفلاسفة أو العلماء. ففي الرسالة التيأرسلها الله للإنسان عن طريق خاتم الأنبياء والرسل، نجد قوله تعالى في سورة الأنبياء: وما أرسلنا منقبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون. ففي كل الكتب السماوية نجد أن العبادة هي الحكمةالتي خلق من أجلها الإنسان، وبما أن الكتب تغيرت واختلطت، واستبد بها أصحابها في العبادات التيسبقت الإسلام، فإن الله شرع للإنسان دينا قويما فيه كل متطلبات ومستلزمات الحياة على مر العصور،وفي جميع الأمكنة والأزمنة، دينا قيما سماه الإسلام، ونفى به كل الديانات التي تغيرت وتحرفت. ونرجع إلى قول الذي خلق الإنسان، ليعرفنا بالحكمة التي خلق  من أجلها الإنسان، حيث يقول الجليل جل جلاله فيسورة الداريات :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ويبقى أن نبين أهمية العبادة، ولماذا شرعها اللهسبحانه وتعالى، هل تزيد في ملك الله أو تنقص منه، طبعا لا، هل تنفع الله بشيء؟ طبعا لا، إن هذه العبادةلصالح البشر نفسه ،وفيها النظام الإلهي الذي يفوق كل الأنظمة البشرية. هذا النظام الذي يجعل الحياةسهلة مطمئنة عادلة متكاملة، ليس فيها أزمات نفسية أو سياسية أو اقتصادية أو بيئية.

فالتنظيم المدقق للحياة البشرية من لدن الذي خلق الكون وهو أعلم به من الإنسان، يكون في الكتابوالسنة. وهذا التنظيم يجب أن يكون في مستوى الإنسان، الذي فضله الله سبحانه وتعالى بالعقل على سائرالمخلوقات. ونصل إلى النهج الحضاري للأشياء، فهل يمكن أن نتصور أن الله الذي خلق هذا الكون بكلعظمته، وجعل له ميزانا دقيقا وقدر فيه كل شيء تقديرا دقيقا، ليس بقادر على أن يخلق لنا ما نقتات به،أو أن النمو الدمغرافي سوف يجعل الأرض غير كافية للبشر. إن من يتصور هذا يبتعد عن الحقيقة مسافةشاسعة تجعله يتيه. وهناك من يقول أن القرآن ليس فيه تنظيم اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، ونحننقول لهؤلاء هل لهم المستوى الذي يجعلهم يستنبطون الأحكام من القرآن. فبالعقل لا يمكن أن يترك اللهسبحانه وتعالى شيئا من أشياء الحياة، وهو يعلم أنه صالح للبشر، وأن هذا البشر سيصل إلى هذا الحد منالمعرفة والعلوم الكونية. فكيف إذا ذكرنا هؤلاء بقول الجليل في سورة الأنعام: وما من دابة في الأرض ولاطائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون وقوله سبحانه وتعالى في سورة المائدة: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.

إن المشكلة ليست في الحساب، وإنما في العقيدة لأن وجود الإنسان في الكون لحكمة، فإذا ابتعد عنها وقعالخلل، ولذا فإن كل الخيرات موزعة في الكون لتدبر بالعقيدة وبالنظام الإلهي، فإذا تدبرت بنظام بشري،كانت الكارثة لأنه سيكون تدبير من لا يعلم، وتدبير من لا يعلم لابد أن يخطئ، وهذا هو ما حصل للكون.فكل الأخطاء التي وقعت من جراء سوء التدبير، جعلت المشكل يكبر ويتضخم، لينعكس على الإنسان بكلويلاته ومصائبه. وأدى هذا الوضع إلى ويلات المجاعة من سوء التصرف فيها، وعدم تدبيرها وخرابالصناعات والتسابق نحو الدمار الشامل، وانزواء الإنسان في زاوية الفراغ والتيه والضلال والجهل، حتىأصبح أقل من الحيوان.

إن سبب الحاجة والفاقة والأزمات الاقتصادية المرتبطة بالقوت على الخصوص، لا نرجعها إلى نضوبالموارد وقلة الرزق، وإنما سببها الإنسان نفسه. فبسوء تدبيره وبشاعة تعامله مع البيئة والمحيط جعلالميزان يختل. وكما قلنا فالكون يجب أن يضبط بشرع الله وبالعقيدة. وليس بالحساب الرياضي والسياسة.فبدل التوزيع لخيرات الأرض توزيعا عادلا يكون فيه حق معلوم للسائل والمحروم، ويكون فيه زكاة، وعدمإسراف، ويكون فيه ورع وزهد، نجد المضاربات والاحتكار، وتدمير الإنتاج بالدول الغير المصنعة،والإسراف والتبدير والمديونية والمحسوبية والتبعية.

 وأدت مشكلة سوء التصرف والجور الإنساني والظلم البشري، بدريعة القدرة والمعرفة إلى كوارثحضارية ناتجة عن جهله لهذا الكون، الذي يظن أنه قادر عليه، وهو في الحقيقة لا يعرف منه أنفه.ونسوق بعض الأمثلة لنرى إلى أي حد أدى جهل الإنسان إلى ما لا يمكن تصوره من الطغيان. ولننظر إلىالواقع من خلال المعطيات، لنقف عند سنة 1992 حيث أصبحت 80 % من الخيرات الطبيعية عبر العالمتستغل من لدن 20% من السكان، وتتوج هذه الحالة المزرية بموت 25 % مليون من البشر سنويا.والسبب الرئيسي هو فرض الغرب لنظرته في التنمية، وهي نظرة خاطئة أصلا لأنها من تخمينات بشرية.ووصل هذا التوزيع الجائر في فرنسا إلى استحواد 6 % من الشعب على 50 % من الثروات والخيرات.وفي الولايات المتحدة يتوفر 5 من السكان على ما يقرب من 90 % من الثروات الوطنية.

 وهناك العديد من المعطيات التي تؤكد أن المشكلة ليست في نضوب الموارد وعجز الطبيعة، وإنما فيأساليب التدبير ومسؤولية البشر في ترك شرع الله، الذي يجعل الأمر هين واستبداله بالولايات الجاهليةالجاهلة. ونعود إلى المعطيات بالأرقام لتوضيح الأمور بطريقة علمية. تبلغ مساحة اليابسة حسب الدراساتالحديثة إلى 3.2% بليون هكتار نصفها غير قابل للزراعة في الوقت الحالي وربما يصلح لأشياء أخرىتفوق الزراعة. وأكثر من ربعها 25.7%  مراع وأقل من ربعها الباقي 24.3% أراضي قابلة للزراعة.غير أن مساحة الأراضي المزروعة فعلا أقل من نصف مساحة الأراضي القابلة للزراعة 43.5% فقط. ومايزال القسم الآخر ينتظر الاستصلاح والاستغلال.

ويحتاج سكان العالم حاليا إلى 90 مليون طنا من البروتين سنويا، حسب تقدير العلماء ويكون العجزالبروتيني حوالي 21 مليون طنا سنويا. ويؤكد العلماء على أن الموارد البروتينية الموجودة على اليابسةتفوق حاجيات العالم من البروتين، لكن الدول التي تتوفر على فائض الإنتاج تستخدمه لتغذية الماشية،ومنها جزء كبير يستخدم لتغذية الكلاب والقطط، ولا يطرح في السوق، وتقارب أغذية القطط والكلاب ثلث الأغذية المجملة المطروحة في السوق في البلدان الغربية التي تتكلم عن النمو الدمغرافي وتسميه الانفجار الدمغرافي. فلو كانت الموارد والخيرات تدبر بشرع الله، ما كان يحدث هناك عجز في سد حاجيات البشر منالمواد الغذائية، ولكانت تغذية الإنسان أسبق من تغذية الحيوان.

ويرى بعض العلماء أن كوكب الأرض يستطيع إطعام 47 بليون نسمة بالمستويات الممتازة الموجودة فيالولايات المتحدة، و157 بليون نسمة بمستويات التغذية في اليابان. ويرى العلماء كذلك أن الأراضيالزراعية الحالية لو أحسن استغلالها، لأطعمت عشرة أضعاف عدد سكان العالم حاليا 5 بليون نسمة.وتشير بعض الاستنتاجات العلمية إلى إمكانية الزيادة في المساحة الصالحة للإنتاج على سطح الأرضبمقدار عشرة أمثال المساحة الحالية، وفي هذه الحالة يمكن توفير الغذاء ل 36 بليون نسمة آخرين.

وذهب علماء آخرون إلى مدى أبعد من كل ما سبق، حين قدروا أن كوكب الأرض الذي نعيش عليه،يستوعب ويطعم ويكفي 132 ألف بليون نسمة، وهو عدد يبدو للقارئ أنه خيالي، إلا أن علماء الاتحادالسفييتي سابقا ذهبوا مند 1969 إلى فرضيات أكثر من كل هذه الأرقام، وهي أن الإنسان لم يكتشفويستثمر من طاقة الكون والطبيعة سوى 1% حتى الآن رغم الثورات العلمية والتقدم التكنولوجي

فكرة عامة عن الإنتاج

على إثر التقدم التكنولوجي وتقدم تقنيات الري والحرث، وانتقاء بعض السلالات النباتية، التي من شأنهاأن تعطي مردودية أكبر من التي تعطيها السلالات التقليدية، فإن الإنتاج الزراعي على الخصوص انتقل من10 قنطارات في الهكتار إلى 60 قنطارا في الهكتار، ويصل في الولايات المتحدة إلى 120 قنطارا فيالهكتار في السنة، من حيث لم تعد تزرع السلالات الطويلة المدى التي تثمر مرة في السنة لنموها البطيء،واستبدلت بالسلالات السريعة النمو، والتي لا تتطلب أكثر من أربعة أشهر. وهو الوقت الذي يجعل الإنتاجيضاعف.

وزادت كذلك التقنيات الحديثة في الإنتاج الزراعي بالنسبة لأشجار الثمار، من حيث أصبحت تقنيات الدورالزجاجية تستغل الأرض على مدار السنة، ولا ينتظر الفصل الحار أو الفصل الممطر. فتضاعف إنتاجالفواكه المتنوعة وكذلك الخضراوات والبقول. وأصبح من السهل استغلال الأراضي التي كانت تعتبر غيرصالحة لزراعة الحبوب مثلا لزراعة الأشجار المثمرة كالموز مثلا، وقد وصل الإنتاج في السنوات الأخيرة إلى سد حاجيات البلاد من هذه الثمار.

أما الإنتاج الحيواني فزاد بشكل مدهش بما في ذلك إنتاج اللحوم والحليب والبيض. وأدى الإنتاج الجديد إلىفائض في إنتاج الحليب وساعدت تقنيات التحفيظ والتصبير على إمكانية التوزيع إلى كل مناطق العالم.وهناك تقنيات جديدة في ميدان الصحة الحيوانية وتربية المواشي، باستغلال الموارد الطبيعية من جهة،وباستغلال التقنيات الحديثة في تغذية المواشي من جهة أخرى. وهو ما جعل الإنتاج يقفز إلى مستوى كانيعتبر خيالا بالأمس القريب. ولا تزال التقنيات الحديثة تدخل بعض التحسن على هذا الإنتاج، الذي يعتبرهائلا في الوقت الحاضر لكن قد يصبح تقليديا في وقت ما ربما يكون قريبا.

 وهناك التقنيات الحديثة كذلك في ميدان الصيد البحري وتربية الأسماك والعقاقير البحرية أو المائية،واستخراج أكبر كمية من الأسماك والمواد البحرية، والتي لم تكن تستخرج من قبل بالمستوى الذيتستخرج به حاليا. وتصل كمية البروتينات للفرد في المغرب إلى أعلى مستوى في التغذية، بل يفوق كلالبلدان المتقدمة، لكن لا نعتمد على هذا المؤشر لحسابه الخاطئ.

 عدم الإسراف في الأكل

لا شك أن كلمة اقتصاد ظهرت في أول الأمر لتعني استعمال أقل ما يمكن أن توفير قسط من الاستهلاك للخزن والتوفير، وعموما فإن كلمة اقتصاد تقترن في أدهان الناس بعدم الإسراف وحسن التدبير، وهو ما يتناسب مع الطرح الإسلامي، إن من الناس من يجعل الأكل الهم الوحيد في حياته، وربما يصل إلى حدالإفراط في الأكل بحثا عن اللذة والمتعة عن طريق الأكل والشرب، وينهج هذا النهج الجانحون إلى المادية.ويجب أن نتوقف عند تنظيم التغذية في الإسلام، لنستحضر النصوص القرآنية التي تتعارض مع هذا النهج،كقوله تعالى في سورة الأعراف :كلوا واشربوا ولا تسرفوا ويأتي النهي عن الإسراف بعد ذكر الأكلوالشرب، وهو عائد عليه، أي لا تسرفوا بمعنى لا تكثروا في الأكل والشرب. وأكثر من هذا فإن كثرة اللذائذوالمتعة في الحياة الدنيا تكون من صفات الكفار لقوله تعالى في سورة الأحقاف: ويوم يعرض الذين كفرواعلى النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرونفي الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون. وهذا وصف الذين رضوا بالحياة الدنيا وبمتعتها وطيباتهاونسيهم أو غفلتهم عن الآخرة.

 ونجد في القرآن الكريم آيات عديدة تخص الأكل والشرب والطيب من الرزق وتشتمل كلها على حدودمضبوطة وواضحة، ليعلم الإنسان أنه ليس مخلوق ليأكل وإنما يأكل بقدر، وعلى شروط تخص العبادة،وإن لم تكن تراعي هذه الشروط فربما ينزلق الإنسان في الشهوات، ولا يذكر الغاية التي خلق لها وهيالعبادة كما قال عز وجل في سورة الداريات :وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزقوما أريد أن يطعمون« .

 أما المرحلة الأولى من العبادة، فتتعلق كما أسلفنا بالشكر وعدم الإسراف في الأكل، وإيتاء الحق المعلومعند جمع الغلة، وكذلك عدم حرمان النفس وقتلها، واجتناب الضرر الناتج عن الحرمان إما بخلا أو تجاوزا في العبادة، والله خلق كل شيء بقدر، ويجب ألا نتجاوز الحدين الإسراف والحرمان أو القتل. وقد أوردناآيات من الكتاب وأحاديث، وبينا الغاية منها وما يرتضيه الله لنا، برزقنا من كل الثمرات، ولا يمكن أن نذكركل الآيات التي تتكلم عن النعم، وما درأ لنا في هذه الأرض وسبل العيش التي يسرها لنا.

وقد نهى الله بالقول في كتابه الكريم عن تحريم الطيبات، ويجري هذا النهي عن محرم، والعبادة هيالامتثال لأوامر الله كلها، فإن حرم شيئا فهو حرام، ولا يجب الاقتراب منه، وإن أحل شيئا فهو حلال، ولايجب تحريمه أو تركه بحجة التحريم، والعصيان يكون بالمخالفة ولا يتوقف عن ترك الحرام، وإنما كذلكعن عدم تحريم الحلال.

ويقول كذلك عز وجل في سورة المائدة: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا مااتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا واحسنوا والله يحب المحسنين، وفي هذه الآيةيقرن الله الطعام الذي نطعمه، بأن لا جناح إذا ما تم بتقوى الله والصالح من العمل، ويؤكد على التقوىوالإيمان إلى حدود الإحسان، ويبين حبه للمحسنين لسمو درجتهم

يقول تعالى في شأن هذا التحريم في سورة الأنعام: قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا مارزقهم الله افتراء على الله قد ظلوا وما كانوا مهتدين، وان هذه الآية تنطبق تماما على الذين يحرمون مارزقهم الله، ليفتروا على الله الكذب، ووصفهم الله بالضلال وعدم الاهتداء. وتنطبق الآية على الذينيحرمون الأكل الحلال، بزعم ليس له أي مبرر، ويدخل في هذا الصنف بعض الطوائف الطوطمية الحديثة،كالذين يحرمون أكل لحم البقر والجاموس، وهو ضلال جديد، ويقول تعالى كذلك في سورة الأنعام « ومنالأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين« . 

وإذ نتكلم عن معصية تحريم الطيب من الطعام الحلال، فإن هناك بعض الطوائف تحرم أكل اللحم، وتسمينفسها بالنباتية، وقد لا تأكل كل ناتج عن حيوان من حليب وبيض ولحم وصيد، وقد يحرم في بعض الأحيانحيوان كالبقر، ليصبح في درجة التقديس، وقد يكون نهج طائفة دينية معينة أو فرقة تعبد الطبيعة لبعضفصائل النباتيين، ولا يختلف هذا الجهل عن جهل الفرق الطوطمية أو الطابوية القديمة، والتي كانت تتخذعلى مستوى العشيرة، أو القبيلة نفس الإله، وقد يكون حيوانا أو شجرا أو تمثالا أو شخصا ميتا. وقديستغرب بعض الناس من وجود هذه الفرق الطوطمية في العصر الحديث، وبقاء هذا الضلال والظلام فيالقرن العشرين، وفي عصر العلوم والحجة، ولا يتجرأ العلماء النابغين في علوم الكون على هؤلاء، بليعتبرونه حرية لكن يتجرأون على محرمات الإسلام كالخمر والخنزير والدم والميتة، ويتكلم هؤلاء بانتقادوهم يعلمون أن الخمر مضر، وأن لحم الخنزير من أقدر اللحوم على الإطلاق، وكذلك الدم والميتة وما شابههذه القادورات الخبيثة. وفي عصر أصبحت الشروط الصحية مضبوطة بقوانين تمنع البضائع والسلع، التيلا توافق مواصفاتها الخصائص المبينة في قوانين التقييس والمواصفات لدى هيأة المراقبة. وكلنا يعلمأن هذه القوانين الصحية متشددة مع صناع وبائعي ومستوردي المواد الغذائية، وهي قوانين من وضعالبشر، فكيف بالقوانين التي وضعها الخالق سبحانه وتعالى، والأسف الشديد أن الدول الإسلامية أصبحتتطبق هذه القوانين على المواد الغذائية، وتتشدد في تطبيق القرارات والقوانين المنصوصة التي تنظمرواج السلع، لكنها لا تتشدد في تطبيق وخضع هذه السلع لشرع الله سبحانه وتعالى. وقد تستورد موادغذائية محرمة شرعا فبالأحرى، أن تراعى مواصفات الشرع أولا قبل مراقبة مواصفات البشر.  

إن هذه الأشياء لا تستعصي علينا من الناحية الشرعية، لنختلف في الفتوى، وليختلط الأمر على الأمة.ويجب ألا نكثر السؤال والنقاش بشأن تحريمها، لأن العلوم قد بينت كل شيء، وأصبح بإمكاننا معرفة اللحمهل هو من حيوان مذكى أم لا بالتحليل المخبري. وكل المواد التي تحتوي على مواد منحذرة من الخنزير،وغالبا ما تكون الدهون والمستحلبات والتي أصبحت الآن سهلة المعرفة بالتحليل. وكذلك المواد التيتحتوي على مركبات مصنفة ضمن المخدرات أو أثر الكحول في المشروبات والأدوية وما إلى ذلك. إننانشجب كل الفتاوى التي تبيح أكل المواد المستوردة دون سابق معرفة بكنهها، ودون تحريات علمية وبدون سرعة في الفتوى حتى يتبين الأمر، من لدن دوي للاختصاص دون الأطباء، لأن العصر أصبحعصر علم. وقد سهل الله سبحانه وتعالى علينا تحري الحقيقة، وبين لنا كيف نتحرى الحلال والحرام، بماأنعم علينا به من علوم. وإذا كانت التحاليل الآن تسخر لدراسة المواد، فالأحرى أن تسخر الطرق التحليليةالكيماوية وغيرها لأغراض شرعية.

وكي نساعد الناس على تحري هذه المواد المحرمة، ولو بشكل ضئيل جدا، وكل ما اختلط بحرام فهو حرام.ولذا نوصي باستفتاء أخصائي في الموضوع، ويجب كذلك أن تنشر الأوساط المعنية بالأمر كل المركباتالتي تؤدي، إلى تحريم المادة التي تدخل ضمن تركيبها ونؤكد المحرم وليس الممنوع بالقانون الدولي كيلا يختلط الأمر على الناس. ولدينا من القدرات التي بإمكانها نشر المركبات بسهولة وبتدقيق. وفي حالةعدم بيان التركيب من لدن الصانع على العلب، أو في حالة إخفاء مركب يجب على المستهلك ألا يقرب هذه المادة وإلى الأبد.

كل المواد السالفة الذكر من خنزير وميتة ودم وخمر لها خطورة على صحة الإنسان، وعلماء الإسلامالملمين بالعلوم الكونية في الميدان كعلوم التغذية والأغذية وصناعة الأغذية لا يبينون للفقهاء خطورة هذهالمواد، والعلة التي حرمت من أجلها. والعالم الجاحد بالحقيقة العلمية يصبح أخطر من هذه القادوراتالمؤذية.

التعفف

ولنتطرق إلى التنظيم المعنوي للأغذية، فإن هناك عاملا يساعد على توزيع الخيرات، ويحارب الاحتكاروحجز المواد دون نفع وهكذا. وهذا العامل يتطلب إيمانا راسخا، وزهدا بالغا في الدنيا وشهواتها. ولا يمكنلهذا العامل الذي يتعلق بالعنصر البشري ومدى امتداد أسلاك المجتمع. يقول العزيز العليم في سورةالبقرة: للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء منالتعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم. وهذا التعفف يخصالشخص ويدل على غنى النفس، وهو الامتناع عن السؤال بغير حاجة، والإلحاف هو ما زاد على حاجةالإنسان اليومية، أو كما فسر العلماء ذلك، وبمعنى أدق كل من سأل وله ما يأكل.

ويساعد هذا العامل على ترويج الأغذية وتوزيعها، لأن التعفف يحول دون اقتناء السلع بكثرة، أو ما يسمى بالاستهلاكية، ويحول دون الجمع لغير الحاجة، أو بخطاب آخر فإن مخزون البلاد يكون مرتفعا نظرا لعدمالاحتكار، ولتعفف الناس عن السؤال، أو السؤال عند الحاجة وليس احتراف السؤال، والكسب الكبير منوراء ذلك. ويسجل المؤرخون أن بيت أموال المسلمين وصل إلى القمة في زمن عمر ابن عبد العزيز، لالكثرة الزكاة والخراج، وإنما لتعفف الناس عن السؤال، وعدم الاستهلاكية، والعمل المتواصل، وعدم وجود السرقة، وكان الناس مؤهلين للتعفف لأنهم يرون عمر ابن عبد العزيز لا يأكل ولا يلبس ويصوم لله سبحانهوتعالى. فهذا هو المستأمن على خيرات البلاد الإسلامية كلها، بل كان على خزائن الأرض ولم يأخذ منهاشيئا، ولذلك تكلمنا عن عامل الإيمان، لأن التنظيم الإقتصادي الإسلامي، لا يطبق على البلدان العلمانية أو اللادينية، وإنما يجب أن تسبقه مؤهلات ومكونات، تجعل البلد أولا قابلا لتحديات العصر، بما لديه من قوةفي الشخصية الإسلامية.

وقد يقودنا الحديث عن التخطيطات والرهانات، التي سادت العالم المعاصر، والتي تجعل من الغذاء قوةضغط على الشعوب، وهو ما نسمعه عن الحصارات الإقتصادية، والتي ما كان لها أن تنال منا كما فعلتبالشعوب العربية، ومنها السودان والعراق وليبيا والصومال، والحصار الاقتصادي تقنية كافرة وعقوبة دنيوية، وقد تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنوات الأولى من الدعوة، والغريب أن الدول التي يمارس عليها الحصار كلها غنية ومع ذلك فهي لا تستطيع أن ترفع عن نفسها هذا الحيف، بل لاتستطيع أن تشتري القوت والدواء بمالها. وما كان هذا أن يقع للشعوب الإسلامية، لكن الحصار الإقتصادي أصبح سلاحا يشهره الغرب في وجه أمة الجهاد والصيام.

وما نراه الآن في بعض البلدان هو تماما كما وقع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، لما كان اليهوديروجون السلع أثناء موسم الحج، وليس هناك من سبيل لاقتناء هذه السلع لو طرد المشركون من مكةأثناء موسم الحج. ومع ذلك نزلت آية تأمر المسلمين أن يجلوا المشركين عن المسجد الحرام  لقوله تعالىفي سورة التوبة  :ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإنخفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم. ويأتي التعبير باللفظ عن الخوف منالعيلة، وهو ما يحدث حاليا لبعض البلدان وجلها بلدان عربية، لكن الله بين للمؤمنين أن الله هو الرزاق،وليس المشركون الذين كانوا يتاجرون في مكة أثناء الحج، ولا الغرب الذي يتاجر بمنتجاته في كل الدول العربية الإسلامية، وفرض سيطرته على منظور التنمية ولا يرينا إلا ما يرى. وقد كانت هذه المقاطعة شديدة على المسلمين، سيما وأن هناك من كان يشتري أشياء ضرورية، وإذا لم يشترها في فصل الحج، فربما لم يتمكن منها أبدا، وهو أمر أعظم بكثير مما يقع الآن بنهج سياسة الحصار من لدن الدول الغربية.ومع ذلك فقد استجاب المسلمون للأمر الإلهي لأنه لا يناقش، ولا يمكن للعبد أن يحاج الخالق في قرار، ولميجتمع المسلمون ليدرسوا هذا القرار، ويتفقوا على ما يمكن فعله.

 وهكذا انتقلنا من دعوة الله الخالق لهذا الكون إلى دعوة البشر أو العبد، ونسينا أن الله هو الرزاق، وأصبحراسخا عند كل الناس أننا سنموت جوعا، لو استغنينا عن الغرب، ولو دعونا الله لكان خيرا لنا، ولنرى ماذايقول الجليل في هذا الشأن في سورة الأعراف:  إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهمفليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين.

 لقد استعمل الكفار الحصار الإقتصادي، والمقاطعة في البيع والزواج وما إلى ذلك، للضغط على رسول اللهصلى الله عليه وسلم في فجر الدعوة الإسلامية ولم يفلحوا. وكان هذا الدرس كباقي السيرة النبوية ليبينالله من خلاله  كل المواقف، وما يجب على الأمة أن تفعله. انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم بعنصريناثنين: قوة الشخصية المسلمة على التحدي في سبيل الله، إذ كان معه رجال ليسوا كلهم مسلمين، ولكنكلهم ضد الظلم ومع نصرة الحق، وهناك من يظن أن الحصار كان على المسلمين أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم وحدهم، بل خرج معهم للإعتصام في  شعاب مكة نفر لم يسلموا بعد. وقوة الرجال تفوققوة القنابل، لأن الإسلام ينتصر بالإخلاص إلى الله سبحانه وتعالى، وما تبت أن المسلمين انتصروا لأنهمكانوا أقوياء أوفي كثرة، لكن عوامل النصر تبقى غيبية، ونستحضر المشاهد القرآنية لنتأكد من صحةالقول. ونأخذ غزوة حنين التي جاءت في القرآن بالإسم حيث يقول الجليل في سورة التوبة  لقد نصركم اللهفي مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثموليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفرواوذلك جزاء الكافرين. وما تبت أن المسلمين كانوا أكثر عددا ومؤنا من الكفار، بل حتى لما عبر طارق ابنزياد المضيق، كان في قلة قليلة ولم يكن لديهم من العتاد شيء كبير، لكن كان لديهم الإيمان والقوةالروحية.

 أما العنصر الثاني فقوة الإيمان بالله أنه ناصرهم، وهذا ما لا نستحضره في غزواتنا اليومية مع دعاةالضلال والفساد. يجب أن نعلم أن الله لا يتخلى عن عباده الصالحين، ولا يمكن لمن ينصر الله سبحانهوتعالى أن يتخلى عنه الله، لكن لا يجب أن يكون أدنى شك في أن الله مع المؤمن.

 التنمية الاقتصادية

امفهوم التنمية في المجتمعات المعاصرة

يجب أن تقترن كلمة التنمية بالإنتاج وإلا فليس هناك تنمية اقتصادية، وإنما استعمار اقتصادي يستوليعلى خيرات الشعوب بكل الوسائل. وليست التنمية كما يراها الغرب، وإنما التنمية كما يجب أن تكون. وقدترسخ عند عامة الناس وعلمائهم أن التقدم التكنولوجي جعل التفوق لصالح البلدان الغربية، التي لا يمكنأن تراعي ظروف البلدان الفقيرة، ولا أن ترحم ضعفها. وليس بغريب علينا، لأن هذه البلدان لا ترى الدنياكما نراها، لانعدام العقيدة وكون الأمة لا مرجعية لها ولا أساس لها، فمن السهل أن تقهر الشعوب، ومنالسهل أن تقتل وتبيد، لأن الإنسان بدون عقيدة يصبح متوحشا همجيا عنيفا. ولا يمكن للبشرية أن تجدالحل في القوانين الوضعية والمواثيق الدولية للخروج من الأزمة النفسية، التي تخنقها لكون الضابطالشرعي منعدم. ونضع السؤال التالي: من الذي يترشح في العصر الحاضر للعدل بين البشر على الأرض،ويتولى أمر الإنسان في هذا الكون؟ أمريكا التي لا تفكر إلا في القتل والقهر والاستعلاء؟ أم أوروبا التيتعقدت من قوة الشرق الإسلامي البشرية وخضعت لتفوق أمريكا التكنولوجي.

 وإذا تناولنا الكتابات الرأسمالية القديمة، والتي لم تعد صالحة حتى للف التوابل، نجد أنها تدور حول فكرةزيادة متوسط الدخل الفردي، ويضيف بعض الكتاب شرط إحداث تغييرات تكنولوجية وتنظيمية فيالمؤسسات القائمة، أو التي ستقوم، ونصل إلى استعمال مؤشر الدخل الفردي المتوسط، والذي يقيسون بهمدى العلاقة بين التنمية والقضاء على الفقر، وهو اتباع مغلوط

 بينما تذهب الكتابات الماركسية إلى فهم التنمية الاقتصادية، على أنها القضاء على الرأسمالية والتحول إلى الاشتراكية. ويشاركون الرأسماليين في استعمال مؤشر الدخل الفردي المتوسط، كمقياس لتحقيقالتنمية الإقتصادية. وهنا نصل إلى تبني فكرة متوسط الدخل الفردي كقاسم مشترك لمفاهيم التنمية. ولوأمعنا النظر في مفهوم متوسط الدخل الفردي، لاستبان التضليل الذي تحدته هذه الفكرة في ميدان التنميةالاقتصادية، وبهذا تستطيع الأنظمة البشرية  أن تتظاهر بتحقيق الأمجاد في التنمية، بينما الأمر يفصح عنالعكس من تدهور اقتصادي: فمتوسط الدخل الفردي قد يرتفع، دون أن تكون هناك تنمية، لسوء التوزيعأو لاقتناء سلع ترفيهية ضارة بالصحة والعقل كالكحول والتبغ، كما قد ينخفض متوسط الدخل الفردي، ومعذلك تكون تنمية لما يكون حسن استعمال وترشيد الإنتاج. والإسلام يسعى إلى تنمية حقيقية يتكافل فيهاالمجتمع، ليجعل كل الأفراد ينعمون بمنتوج بلادهم، ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى الزكاة المفروضة منجنس السلعة. فالذي ينتج زيتونا يخرج الحق المروض زيتونا، والذي ينتج حبوبا أو فواكه يخرج الحق المفروض من هذه المواد، وليس نقدا، لأن إخراج الزكاة من جنس السلعة، يجعل الفقير يأكل من خيراتالبلاد رغم أنف الأغنياء. ولهذه النقطة مزايا اجتماعية واقتصادية وصحية، إذ تجعل التغذية متكافئة عندالغني والفقير، حتى لا يبقى الغني على المواد الجيدة والفقير على الدقيق.

 إن الذي يهم الفرد هو ما يصل إليه فعلا من الدخل الوطني، وليس نصيبه في قسمة حسابية إحصائيةبالحاسوب، يسمع عنها ولا يرى منها شيئا، إن مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر الإسلامي، ينصبأساسا على محاولة القضاء على الأسباب التي تؤدي إلىوقوع  المشكلة الاقتصادية.

والمشكلة الإقتصادية تنشأ  عن أسباب وعوامل:

 قصور في استغلال الموارد الطبيعية الممنوحة من الله سبحانه وتعالى

التكاسل والغش في العمل من العوامل المحطمة ومن أسباب التخلف

 سوء توزيع للمنتجات بين المواطنين

الاستهلاك في المدن والمناطق الحضرية والاستهلاك في البيوادي والأرياف

– سوء استغلال الميزانية

– استهلاك مواد غير ضرورية كالتبغ والكحول ومواد التجميل وما إلى ذلك

سوء تدبير ما تتوفر عليه البلاد

– تصدير المواد الخامة الطبيعية بأثمان بخسة واستيراد مواد مصنعة باهضة الثمن

أما سبب المشكلة الاقتصادية كما يراه الفكر الوضعي، فهو ينحصر في  ندرة الموارد ولانهائية الرغبات،فإن الاقتصاد الإسلامي لا يعترف بشيء من ذلك. إن الموارد في الأرض مقدرة  لتكفي البشر، والرغباتمضبوطة عند المسلم، ولا تتعدى الحاجة. ويلاحظ أن الإسلام يحرم الإسراف في الماء على من يتوضأ منالبحر، كما أن كثرة الاستهلاك في العرف الإسلامي من خصائص الكفار مصداقا لقوله تعالى في سورةالأحقاف: ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليومتجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون.

 بمعالم المنهاج الإسلامي في التنمية الإقتصادية

 يرتكز المنهاج الإسلامي على الدعائم الصحيحة، التي أرساها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أقروأوصى وأكد على ذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع حيث قال إن أموالكم ودمائكم حرامعليكم كحرمتكم في يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا. وقال أيضا في نفس الخطبة، وإني تركتفيكم ما إن لو تمسكتم به لن تضلوا أبدا. فلماذا نترك الخطة الربانية ونبحث عن الضلال، ولماذا نمسكبأيدينا معطيات، لو فهمها الغرب لجعلها من الوصايا العشر، ولحفظها ظهرا عن قلب، ونحن لا ندري ماذانملك. لا عزة إلا في الإسلام، ولا يأتي الذل للأمة إلا في تركها للإسلام. ومن بين الدعائم الصحيحةللبرنامج الإسلامي نذكر:

 1- العنصر البشري وهو الدعامة الأولى القوية والمؤدية إلى الفلاح والصلاح. ويعتبر العنصر البشريمن أثمن المعطيات في المجتمع، ولا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بهذا العنصر. ولننظر إلى مجتمع تمكن منغزو العالم، بما لديه من قوة بشرية وطاقة فكرية هائلة، ويعتبر القدوة في تبني فكرة العنصر البشري،كعامل أساسي للتنمية والتقدم، وهو مجتمع اليابان. هذا البلد الصغير الذي ليس لديه من المؤهلاتالطبيعية شيئا يذكر، لكن لديه من الخبرة العالية ما لديه، ولنبين هنا أن اليابان تحدى أمريكا في الحربالعلمية الثانية، حيث كان عدد الطائرات اليبانية يتعدى عدد الطائرات الأمريكية آنذاك، زيادة على المهارةالتي امتاز بها الطيارون وإيمانهم بقضيتهم. والمعلوم أن أكبر نكسة وأكبر معضلة أصيبت بها الدول العربية هي هجرة الأدمغة إلى الدول الغربية. وقد يظن بعض رجال السياسة أن استخدام الخبرة الأجنبية مكن أن يساعد على التقدم، وهذا هو ما أدى إلى الكارثة لأن هذه الدول لديها عقدة التكنولوجيا، وتحاول أن تستجلبها بأي وسيلة فتسقط في فخ الاستهلاكية التامة، لتقتني كل مستلزمات الحياة والصناعة جاهزة، فتصبح زبونة رغم أنفها وهو ما يريده الغرب.

 2- الهوية وهي الرجوع إلى العقيدة الإسلامية، والإيمان بأنها متكاملة وقوية، وقادرة على تسييرالمجتمع دون الركوض والخضوع إلى النظريات الغربية. ويجب أن لا تكون هناك أخطاء من لدن الجاهلينبالدين والعلوم على حد سواء، لتفادي الحزازات المذهبية والطائفية، ليكون إسلاما صحيحا لا يتقيضبأشخاص وإنما بالكتاب والسنة. ويعتبر هذا شرط أساسي وإلا سقط المجتمع في ويلات الخلافوالتحرشات الأجنبية التي تستعمل أفرادا من المجتمعات الإسلامية لضربها.

 3- العمل واستغلال الخيرات الوطنية استغلالا صحيحا، والنظر إلى ما يجعل الأمة في غنى عن الغرب،وتفادي كل المساعدات والخبرات الأجنبية، فلا يمكن للبلدان الإسلامية أن تتقدم بالخبراء الأجانب، فهذامستحيل ولن يزيد الأمور إلا أزمة وتعقيدا. وهنا يظهر جليا أن كل الطاقات التي تعمل بالخارج تمثل أكبر خسارة للبلدان السائرة في طريقة النمو، ولذلك فالتقدم بدون هذه الطاقات غير ممكن.

 4- اجتناب استهلاك المواد الغير الضرورية خصوصا المحرمة كالتبغ والكحول، وصرف المبالغ إلى البحث العلمي وشراء المواد الضرورية. وكذلك تنظيم الاستهلاك وتوجيهه إلى النهج الصحيح كاجتناب الأكل خارج البيوت، واجتناب المعلبات.

5- تفادي السقوط في الأمراض من جراء تحول نمط العيش من التقليدي أو الطبيعي  إلى المصنع.

6- عدم الانزلاق وراء التداعيات السياسية كإخراج المرأة عن دورها الفعال في بناء المجتمع. ونلاحظ أن هذا العامل يأخذ أهمية قصوى بالنسبة للدول المصنعة، لأن خروج المرأة يعني شراء المنتوجات المصنعة نظرا لعدم وجود وقت للطبخ، وكذلك ضياع الخبرة في تحضير المأكولات، حيث يصبح استهلاك المواد المستوردة أمر طبيعي. 

قد بدأت هذه المعالم تظهر في كثير من البلدان الإسلامية، ولو أن هناك إحباط كبير بالنسبة للغالبية، ومع الرجوع إلى الهوية الإسلامية، والغيرة على هذه الهوية فقد ظهر الخلل، وظهر التآمر على هذه البلدان، واقتنع الشباب بالحقيقة الإسلامية. وليس هناك إلا الحل الوحيد وهو الرجوع إلى العقيدة، بعدما سئم الناس القومية وكل الطروحاات الإيديولوجية ونلاحظ أن ضباب القومية بدأ ينقشع، وبدأ الشباب يعرف ويتشبت بهويته وبقيمه وبوطنه الخ..

7- التنمية بمنظور وطني وليس بمنظور أجنبي، واستغلال الموارد المحلية، ومنع تسرب المنتجات المهمة والاستراتيجية إلى الخارج، وكذلك عدم التحول الاجتماعي السريع الذي يقود إلى الإدمان الاستهلاكي، وإعطاء الأولوية للمنتجات الوطنية. ونلاحظ أن الدول الغربية تحاول رفع الحاجز الجمركي لتصول وتجول في البلدان الهشة، ولماذا ضلت هذه الدول تمنع دخول المنتجات الأجنبية، وتفرض الحواجز التجارية والعراقيل على كل المنتجات الأجنبية إلى أن تمكنت من التقدم وضبطت نفسها جيدا، ثم الآن أصبحت تنادي بالتجارة الحرة لتحول دون تقدم هذه الدول المحكوم عليه بالاستهلاكية. رغم أن مصادر الطاقة والعنصر البشري يوجدان في البلدان الغير مصنعة.

admin gérant de la ste ayamedia , réalisateur producteur

Comment(1)

  1. شكر الله لكم على هذا الطرح الرباني، و هؤلاء يصدق فيهم قول الحق  » يا ليت قومي يعلمون » . اظن يا دكتور ان سبب نكوس الامة هم الخونة و دعاة الاستغراب، نسال الله ان يردنا
    إلى دينه ردا جميلا

LEAVE YOUR COMMENT

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *